عن ذكرى ثورة فبراير وأنصارها وخصومهم

مأرب الورد

لم تكن ثورة ١١ فبراير ٢٠١١ ترفاً ولا مخططاً لها من قبل أحد، ولا يمكن تمليكها لأي حزب أو قوة، ولا يستطيع أي طرف أن يدّعي ذلك، لأنها ثورة شعب بمختلف مكوناته انفجر في لحظة زمنية لها مبرراتها ومقدماتها التي يمكن الاختلاف حولها كما نتيجتها بعد مرور تسع سنوات من عمرها.

الثورة تراكم تحولات تاريخية ونضال سياسي وفشل وفساد واستبداد نظام حكم وغيرها من العوامل التي كانت موجودة في الواقع وأدت لهذه اللحظة التي لم تكن بحُسبان أحد في توقيتها مهما حاول البعض إدعاء خلاف ذلك وربطها بنظرية المؤامرة التي يفسّر فيها الأحداث.

لقد صنعت الثورة تغييراً كان يمضي للمستقبل من حيث سقف الحرية ووضع اللبنة الأولى للتداول السلمي للسلطة وإشراك معظم القوى الفاعلة في الحوار حول قضايا ومشاكل البلد ووضع الحلول لها، ولكن هذا المسار الانتقالي تم إجهاظه من قبل الرئيس السابق علي صالح الذي أراد الانتقام ممن ثار ضده وتحالف مع خصومه الحوثيين الذين أظهروا أن مشاركتهم بالثورة لم تكن قناعة بأهدافها المعلنة وإنما لغرض تحسين صورتهم تمهيداً للانقضاض على الدولة.

وإلى جانب هذا التحالف، يتحمّل الرئيس هادي والقوى المؤيدة له في اللقاء المشترك وغيرها نصيبهم من مسؤولية إفشال الثورة بسبب انشغالهم بالمحاصصة على المناصب واللجوء لتصفية الحسابات، بدلاً من قيادة التغيير السياسي بشكل أفضل وأسرع مما كان قائماً.

وهؤلاء جميعاً هم من يلامون على قيادة البلد إلى المأزق الحالي، لا الثورة نفسها ومن شارك فيها من المواطنين الحالمين بمستقبل أفضل ونظام حكم يلبي طموحاتهم في الحياة الكريمة والحرية والديمقراطية.

الثورة ليست انقلاباً يقوده بضعة أشخاص عبر وسائل ضغط معينة تؤتي ثمارها بسرعة، حتى يُمكن التحكم بتوقيتها ومنح ملكيتها لجهة معينة مهما كان حجمها لتتولى عملية تحديد هوية الجهات المقبولة وغير المقبولة فيها، لأن هذا غير ممكن وغير واقعي ويتناقض مع مفهوم الثورة نفسها.

لا يوجد ثورة في العالم تحظى باعتراف جميع سكان أي بلد، وليس شرطاً أن يشارك فيها الجميع أو الأغلبية الساحقة لكي تكون كذلك وتنال رضا الخصوم، كما أنه من غير المنطقي مقايضة الناس مسبقاً بثنائية إما أن تكون ثورة ناجحة أو لا تشاركوا فيها، لأن هذا المنطق يتعامل مع الثورات بوصفها معادلة رياضية واحد زائد واحد يساوي اثنين وليس عملية تغيير شعبية يمكن أن تنجح أو تفشل.

انتقاد الثورة بحد ذاتها كفكرة وقيمة أصيلة لأي شعب في حال وصل إلى طريق مسدود مع نظامه، يُعتبر عبثاً لا طال منه، وإن كان متفهماً طالما جاء من خصومها لكنه ليس منطقياً من حيث المحاججة والنقاش الذي يجب أن يذهب للقوى السياسية المشاركة فيها ومن شارك في السلطة بعدها.

القوى السياسية والقبلية والعسكرية هي التي دخلت الثورة بحساباتها ومصالحها وأحقادها ولم يكن لديها رؤية تستوعب هذه اللحظة وتقدّر تضحيات الناس، فأذعنت للقوى الإقليمية التي كانت بالأساس ضد الثورة وقبلت بمبادرتها التي احتوت التغيير عند رأس الهرم وتبقيه عند التغيير الجزئي.

كان بمقدور هذه القوى وقد وجدت نفسها أمام مبادرة دول الخليج -باستثناء قطر التي انسحبت منها قبل الانتهاء من النسخة النهائية- أن تقايض صالح باعتزال السياسة كلياً مقابل تحصينه، وتطلب من الوسطاء ضمانات عملية للتنفيذ بدلاً من التوقيع وافتراض حُسن النوايا في رئيس معروف بالخداع واللعب على خصومه.

ومن المنطقي توجيه اللوم في مسؤولية فشل الثورة في تحقيق أهدافها للشباب أنفسهم الذين كانوا عمودها لعدم تنظيم أنفسهم في إطار معين من أجل أن يكونوا قوة مؤثرة وضاغطة على الأحزاب والسلطة الانتقالية فيما بعد وكذا الخارج.

استهلك الشباب أنفسهم في التنظير واكتفوا بانتظار ماذا ستفعل القيادات وتحميلها المسؤولية والمشاركة في الاحتجاجات دون كيان خاص بهم، وهذا ينطبق على شباب الأحزاب المنتقدين لأداء قياداتهم والشباب المستقلين الذين كانوا أكثر نرجسية ومثالية وغير متقبلين للتوحد في شكل جامع بسبب الرغبة في التصدر وفقدان الثقة وضعف التجربة في العمل المدني.

على الجميع الاعتراف بالفشل والخطأ إذا ما أرادوا استعادة زمام المبادرة وإحياء روح التغيير واستكمال أهداف الثورة، ولتكن البداية بمراجعة النفس وتعلم الدروس وتجنب أخطاء الماضي.

يجب أن نعترف أن القوى المعارضة للنظام لم تشارك بعقلية الثورة وإنما بالانتقام السياسي الذي يختزل كل مشكلة في صالح ويربط حلها بمجرد رحيله عن السلطة وكان هذا ديدنها من قبل ومن بعد وهو ما لم يحدث، ولم تعترف بخطأ تقديرها وأنها لم تكن تمتلك رؤية حقيقية للدولة.

والوصول للسلطة هو الاختبار الحقيقي لأي معارضة، وهذا ما حدث لمعارضي صالح الذين مارسوا فساده والتنكر للوعود والفشل في الحكم، وهذا الذي ساهم في دفع البلد للوجهة الخاطئة.

الاحتفال بالثورة أو الحديث عنها لا يعني التعامل مع المؤتمر اليوم بنفس الأمس، لا لأنه قد غير موقفه بشأنها كون هذا لم يحدث، ولكن لأنه لم يعد حاكماً وإنما ضحية مثل غيره بسبب سياساته ومساره.

وفي المقابل على المؤتمريين وأنصار صالح تقبل حقيقة أن التغيير قد حدث وإن لم يسموه بالثورة لأن التسمية لن تفرق في النتيجة وهي تخلي صالح عن الحكم، والذي لم يكن ليفعل لولا الضغط الشعبي الذي أجبر الخارج للضغط عليه للتنحي لا حباً في الثورة وإنما في احتوائها خوفاً من عدوى التغيير في محيط أنظمة عائلية وراثية.

عليهم أن يتوقفوا عن تحميل الثورة مسؤولية سياساتهم الخاطئة ومنها تسليمهم معسكرات الدولة للحوثيين ودعمهم سياسياً وإعلاميا أثناء الثورة ويكفي أن نذّكرهم بالأوامر التي صدرت لقادة الألوية بصعدة والجوف للتسليم، في حين لم تمنح الثورة والمشاركين فيها الحوثيين سوى خياماً مثل غيرهم في الساحات والسماح لهم في المشاركة في أنشطتها وفعالياتها.

دائماً ما يُقال لأنصار الثورة أنتم من جاء بالحوثيين لصنعاء وهذا منطق عجيب، ينسى أصحابه أن هؤلاء المشاركين كانوا مجرد مواطنين أو قوى سياسية ليسوا سلطة يمنعوهم من دخولها، وليس من حقهم أو من حق أي جهة منع من يريد المشاركة فيها طالما رفع شعاراتها وأعلن التزامه بأهدافها، وتنكره لها لاحقاً بالحرب والانقلاب لا يغير من حقيقة أن اللوم يوجه له وحده لا محاسبة من كانوا معه بالثورة على ما ليس بيدهم ولا من حقهم فعله.

هل يستوي من قبل بهم في ساحات اعتصام ومن سلّم لهم معسكراته وأمر مشائخه بفتح الطريق لهم للمرور دون اعتراض والاندماج معهم؟ هل نسي هؤلاء أنهم تحالفوا معهم بقناعتهم لسنوات حتى نكلوا بهم وقتلوا زعيمهم وليس للثورة علاقة بدفعهم للتحالف ولا لقتل صالح؟

اتفق مع المؤتمريين في أن أحزاب المعارضة على مستويات متفاوتة لعبت دوراً في تجميل صورة الحوثيين وتقديمهم بوصفهم مظلومين وأنهم بمجرد مشاركتهم في الثورة أثبتوا أنهم يريدون العمل السياسي، وهذا خطأ كان دافعه في تقديري الكيد السياسي للنظام، وكان الخطأ الأكبر أن هذه الأحزاب لم تعي خطورة مشروعهم السياسي أو لا تريد التحذير منه وبعضها كان داعماً بدوافع مختلفة والبعض الآخر كان في الأساس ذراعاً سياسياً لهم.

هذه المواقف ساهمت بشكل أو بآخر في رسم الصورة التي يريدها الحوثيون عنهم وكانت جزءاً من العوامل التي أحدثت شقوقاً في جدار النظام الجمهوري ليتسللوا منه وينتقمون من الجميع على مراحل وبعد قضاء حوائجهم من كل طرف.

دعونا نضع الماضي جانباً ويحتفظ كل طرف برؤيته وتفسيره له ولا يفرض ما يراه على غيره، حتى نستعيد الدولة التي تضمن قواعد اللعبة للجميع وبعدها يمكن طرح أي شيء والقبول بالديمقراطية حكماً وحيداً للعمل السياسي والحكم.

الجميع أصبحوا ضحايا سواء المشاركين في الثورة (باستثناء الحوثيين) أو خصومها الذين يتعين عليهم تذكر هذه الحقيقة التي كسبتها أيديهم لعلهم ينسون مؤقتاً ماضيهم وينشغلون بحاضرهم بهدف القضاء على انقلاب الحوثي عدوهم المشترك الذي لم يبق طرفاً منهم على حاله.

لا نريد تحييد الجدل والنقاش وتبادل الاتهامات بين أعضاء كل طرف، فهذا لن يحدث بشكل كامل بقدر ما يمكن التخفيف منه، ولكن ما هو مطلوب أكبر وهو اقتناع القيادات هنا وهناك بتحمل مسؤولياتها في العمل المشترك لتحقيق الهدف الجامع وهو التخلص من انقلاب الحوثي واستعادة الدولة.

ليبقى كل طرف كما هو وليس مطلوباً منه سوى استشعار دوره وواجبه الوطني والالتقاء مع الآخر في هذه النقطة المشتركة وهي كفيلة بتغيير وضع الجميع ما لم فهم يخسرون ويكسب الحوثي ويطيل عمر انقلابه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى