كيف تُعرف بالقضية اليمنية في خمس دقائق! (1-3)

 فيصل علي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: مارس 5, 2019

“الدبلوماسية في زمن الحرب مسؤولية الجميع دون استثناء”.. وليام سترانج

أثارت صورة وزير الخارجية خالد اليماني بجوار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في منتصف هذا الشهر في مؤتمر وارسو لغطاً كبيراً في وسائل التواصل الاجتماعي، و هذا شيء طبيعي بسبب عدم وجود علاقات بين البلدين لأسباب يطول شرحها، لم تثرني الصورة فقد وُضع اليماني فيها بحسب تقديري لإثبات أن اليمن صارت تابعة لأصحاب صفقة القرن، و أنهم قادرون على وضع موقف اليمن حيث يريدون.

من جهة أخرى أثارتني عبارات علق بها من يعتقدون أنهم أصحاب اليمن وحدهم بحسب الجينات حيث يرون أن العلاقات بين البلدين طبيعية جداً و أن عدم وجودها لا معنى له، فيما رأى أصحاب نظرية الولاية و الحق الإلهي و الوصاية – المأخوذة نصاً من التوراة ولا يوجد ما يؤيدها في التراث و الفكر الإسلامي – أن هذا دليل على صحة الشعارات المستوردة من إيران “الموت لإسرائيل و اللعنة على اليهود” و هي شعارات للاستهلاك المحلي لا أكثر، فبفضل الهاشمية السياسية العنصرية تم ترحيل اليهود اليمنيين إلى إسرائيل عام 1948 في صفقة مع الكهنوت و الإمامة الحاكمة آنذاك، و في 2016 تم ترحيل اليهود من صنعاء إلى إسرائيل مع وثائق أثرية تعود لما قبل ألفي عام.

هذه الأدلة كافية لدحض الشعارات الحوثية الكاذبة ، و التأكيد على أن مظاهراتهم في صنعاء ضد التطبيع مع إسرائيل لا معنى لها، لكن يبدو أنهم تواقون لفعل ذلك بأنفسهم و وفقاً لمصالح إيران، و يخشون من أن تسبقهم الشرعية و جماعة صفقة القرن.

 ما أريد التأكيد عليه هنا هو ظهور الجدل السطحي مرة أخرى إلى السطح في الشارع اليمني، فبعد ثورة 11 فبراير و ذكراها الثامنة و مدنيتها و هدفها في التحول من سلطة الفرد و القبيلة و العائلة و المركز إلى دولة مدنية فيدرالية كما نصت مخرجات الحوار على هذه الأخيرة، إلا أن النقاش كان حول أيهما أفضل إسرائيل أم إيران؟

أعترف أمامكم جمهوري العزيز أنه كلما قل الوعي أصبت بقلق و إحباط شديد، كيف انحدر تفكير شبابنا بهذا الشكل المخل؟ فلا إسرائيل أو إيران تمثلان نموذجاً يُحتذى به، فكليهما تمثلان دولة التطرف الديني كواجهة بينما الباطن هو التطرف القومي بمعناه العرقي، و هذه الصفات لا علاقة لها بالدولة المدنية التي ننشدها من قريب أو من بعيد، الدولة المدنية هي أقرب إلى الإنسانية و دولة المواطنة و الحقوق و الحريات، بينما النماذج التي دار حولها النقاش فهي دون مستوى الإنسانية و خطورتها على البشرية تزداد مع كل العمليات الإرهابية التي تمارسانها داخل حدودهما أو في الشرق الأوسط، فلا إسرائيل أقرب ولا إيران أقرب لنا، و اليمن لن تكون عنصرية دينية بمعناها الطائفي المذهبي و العرقي السلالي النقي كما يزعمون، ولن تكون قومية بمعناها العرقي الأثني المتطرف القائم على خرافة الجينات التي ينسفها العلم، فهذه المفاهيم المتخلفة عافها الزمن و لا يمكن أن توجد إلا في أحلام العنصريين وحدهم، و اليمن كما أزعم أنا لن تكون عنصرية، فلم تكن يوماً ذات طابع عنصري لا عبر تاريخها الموغل في القدم، و لا في تاريخها المعاصر.

و لا يعنينا بالطبع كيمنيين – أو ك”يمنيون” كما نحب أن نسمي أنفسنا – فترات الحكم الهادوي ذو الطابع العنصري، و هي فترات متقطعة تم مقاومتها في مختلف المراحل منذ وجود الرسي القادم من العراق العجمي -لا العراق العربي- مدعياً الثيوقراطية و نظرية الحق الإلهي و النسب الفاطمي.

تعاني خارجية هادي من أزمة حقيقة و ما اليماني إلا دليل واضح على عدم الرؤية فبعد أن قدم المايك لنتنياهو عاد ليبرر للجمهور أن ترتيب الجلوس كان بهذه الطريقة، و أستحى أن يقول أن “المخرج عاوز كده”.

فمنذ عاصفة الحزم طالبنا و كتبنا و أسررنا و أعلنا أن التعريف بالقضية اليمنية مهمة وزارة الخارجية و سفارات اليمن بالدرجة الأساس، و دعونا الحكومة في عهد وزير الخارجية المخلافي إلى أن تتحول كلها إلى خارجية – تكثف الجهود في الخارج للتعريف بالقضية اليمنية – و انتقدنا بما نراه يخدم البلد و القضية معاً، و سواء أستجابوا أو لا فهذه مسألة خارج إرادتنا، و ما على الرسول إلا البلاغ و هو رسول السماء.

في 2015 و 2016 كان يجب أن تتركز مهمة الخارجية على شرح طبيعة الصراع في اليمن، و أن توضح أن الحرب ليست بين اليمن و السعودية، كل مقترحاتنا نحن و غيرنا – و هم أكثر إدراكاً و فهماً منا – ذهبت أدراج الرياح، و في نهاية 2018 كان يحدثني صديق من أهل الشرعية عن ضرورة إيضاح الصورة للعالم و طلب مني مقترحات تسهم في إزالة هذا اللبس، و القول أن السعودية لا تحارب اليمن، أخبرته أن ما كان يجب قوله في 2015 لم يعد صالحاً في 2018 و ما بعدها، كل شيء تغير، و هناك دلائل و اضحة كان يمكن تجاوزها في بداية العاصفة لكنه يصعب الأن، فتدخلات التحالف زادت عن حدها من عدن إلى حضرموت و شبوة و سقطرى و باب المندب و المخا و الحديدة، فإن كانت الشرعية بأحزابها العتيقة مرغمة فلسنا نحن مرغمين على السكوت عن كل ما يمس السيادة اليمنية، و لا ينبغي للخلافات الخليجية الخليجية أن تغير قناعاتنا بفصل ما هو خليجي عما هو يمني.