المنظمات والحوثي شركاء سرقة الغذاء

مأرب الورد
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يناير 6, 2019

خروج برنامج الغذاء العالمي عن صمته أخيراً حيال مصير المساعدات التي يُفترض أن تُعطى للمحتاجين في اليمن واتهامه الحوثيين بسرقتها بما “يصل إلى حد سرقة الغذاء من أفواه الجياع” لا يعفيه هو أو غيره من المنظمات والهيئات الأممية العاملة بالمجال الإنساني من المسؤولية والمسائلة عن التلاعب ونهب غذاء الفقراء والمحتاجين والذين يصل عددهم إلى أكثر من نصف الشعب البالغ سكانه 28 مليون في أقل تقدير متداول.

لا يُعقل أن البرنامج الذي يملك خبرة واسعة في إدارة الإغاثة في العالم لم يكن يعلم عن كيفية توزيع المساعدات ولمن تسلّم طوال السنوات الأربع الماضية، حتى يستيقظ فجأة ويعلن عن اتهام الحوثي الذي نعرفه متخصصاً بالسرقة كما القتل والتدمير وليس في ذلك بجديد، بخلاف لو جاء هذ الاتهام قبل عامين على أقل تقدير.

ما نعرفه أن البرنامج لديه نظام دقيق وصارم في المتابعة والتقييم المستمر، وحتى في حال غياب ذلك وهو مستعبد أصلاً، لا يعفي البرنامج من مسؤوليته في فضيحة سرقة غذاء المنكوبين بالحرب والأمراض وسياسة التجويع الممنهج.

 لقد وجدت المنظمات الإنسانية في مأساة اليمن فرصة ثمينة للتربح والثراء وتوفير التمويل اللازم لأنشطتها التي أغلبها إدارية ونفقات للعاملين فيها ورحلاتهم، وهذا ما تجلى في حملاتها الكبيرة والتي ظلت بين فترة وأخرى تصوّر اليمن على وشك المجاعة ما لم يقدم المانحون التمويل اللازم لخططها التي تقول إنها تهدف لمنع الوصول لهذه النتيجة، وعندما كانت تحصل على الأموال من هنا هناك لا أحد يعرف مصيرها في الوقت الذي يزداد عدد المحتاجين والمآسي.

من البديهي أن هذه المنظمات ليست إنسانية بحتة ولا يهمها إلا الربح ومصالحها وسبيل تحقيق ذلك هو رفع لافتات العمل الإنساني للحصول على التمويل من الدول والهيئات، وهو التمويل الذي يذهب نصفه لهذه المنظمات على شكل نفقات وأجور وسفريات، وما يتبقى تلتهمه جيوب الشركاء الذين يتم اختيارهم بعناية، والقليل القليل هو الذي يصل للمستفيدين.

خلال السنوات الماضية، كتبت عدة مقالات عن دور المنظمات وركزت على أهمية انتهاجها الشفافية والمصداقية في أعمالها وبياناتها، وأن تخضع لمحاسبة من المموّلين ثم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، لكن هذا الأمر لم يحدث وهو ما شجّع هذه المنظمات على الفساد المهول لركونها لغياب المحاسبة، أما الحوثي فهو سارق معروف ولا يخشى سمعته أو التشهير به.

إن إعلان البرنامج عن مسؤولية الحوثي في سرقة المساعدات مجرد خطوة صغيرة في الطريق الصحيح، ينبغي أن تتبعها خطوات عديدة، أولها أن تحذوا المنظمات الأممية وغير الأممية حذوا البرنامج وتعلن عن إجراء مسح ميداني لتقييم عملها خلال الفترة الماضية وتعلن نتائجه على أن يخضع لذلك لآلية يمكن التحقق منها.

يتبع ذلك إجراء محاسبة داخلية للمسؤولين الذين يثبت تورطهم في فضيحة أو جريمة سرقة الغذاء والتلاعب بالمعونات، واتخاذ موقف واضح وعملي من الحوثيين على ما قاموا به بما في ذلك إنهاء أي شراكة لمنظماتهم في توزيع المساعدات.

وفي هذا الشأن يتوجب على السلطة الشرعية إلزام المنظمات بالتعامل معها والتنسيق في عمليات الإغاثة وتبادل المعلومات والبيانات المتعلقة بالمستفيدين وكل عملية تحديث جديدة، وهي عملية ينبغي أن يكون التحالف العربي شريكاً فيها باعتباره من أكثر المانحين لبرامج المساعدات وأن يخضع كل منظمة تحصل على مساعداته لمحاسبة عن الأموال وكيفية صرفها.

إن عمل المنظمات حالياً يخدم الحوثيين وإطالة أمد الحرب، فهو يجعلهم يستفيدون من جميع أنواع المساعدات من خلال منظماتهم الشريكة في التوزيع والتي تتلاعب بأسماء المحتاجين وتجعل أتباع الحوثيين في الأولوية وتستخدم الغذاء لشراء الولاء والحشد للجبهات وتوفير الغذاء للمقاتلين، فضلاً عن المال المباشر وغير المباشر الذي يتم جنيه من بيع المساعدات وبالتالي ضمان أحد أهم موارد تمويل جبهات الحرب، وهذا يعني رفض السلام.

لقد اعترف مسؤول بمنظمة اليونيسف في اليمن لمخرجة أفلام أردنية زارت اليمن لإعداد فيلم وثائقي عن الجوع، بالفساد في الإغاثة وعلمهم بنهبها من قبل الحوثيين مبرراً صمتهم بالخوف على إغلاق مكاتبهم في العاصمة صنعاء وتقييد حركتهم بمناطق سيطرة الانقلابيين وهو مبرر غير مقبول ويكشف عن شراكة في الفساد وجرائم سرقة غذاء الفقراء والمحتاجين.

الغريب أن البرنامج يطالب زعيم الحوثيين بالتحقيق في هذا الأمر ويطلب التوقف عن السرقة ما لم سيوقف توزيع الغذاء لثلاثة ملايين شخص، ليأتي الرد عليه سريعاً من محمد علي الحوثي بمطالبة البرنامج بالتوقف عن شراء القمح الفاسد وتسليم المساعدات نقداً، وهذا هو التجسيد العملي للمثل اليمني المعروف “سارق ومبهرر”.

في تقرير حول فساد الإغاثة باليمن، نقلت صحيفة “الجارديان” البريطانية عن مسؤولين أممين اعترافهم باستقاء معلوماتهم وبياناتهم عن الفقراء من الحوثيين، ما ترتب عليه حدوث عملية تلاعب أوسع للمساعدات، وأثار تساؤلات خطيرة حول مدى فعالية آلية الامم المتحدة في الإنذار المبكر بالمجاعة والمعروفة بنظام التصنيف المتكامل للمرحلة [IPC].

وقال أحد كبار مسؤولي الإغاثة للصحيفة، إنهم يعتقدون أنه من الممكن أن يكون قد جرى التلاعب بنظام التصنيف الدولي نفسه لصالح المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وعلى حساب تجويع المدنيين في أجزاء أخرى من البلاد. وأضاف مشككاً بالبيانات التي كانوا شركاء في جمعها أن مسوحات “الأمن الغذائي” محدودة أو تم تنفيذها بواسطة بعض الكيانات فقط، في إشارة للمنظمات والهيئات التي أسسها الحوثيون لهذا الغرض.

وتابع المسؤول “إذا نظرت في البيانات، ستجد أن بعض المحافظات (التقسيمات الإدارية) تنتمي إلى طرف محدد في النزاع (تم رفعها باعتبارها في أمس الحاجة للمعونة). كما تمثل آلية جمع البيانات حول سوء التغذية الحاد في اليمن كارثة حتى لو قالت وكالات الأمم المتحدة أنها تحت السيطرة، فهي ليست كذلك”.

أما المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي فقد قال “رصدنا حتى الآن سبعة مراكز لتوزيع الأغذية نعتقد أنها تشترك في اختلاس مخزوناتنا الغذائية” وهذه المراكز التي تقع في صنعاء، تخضع لإشراف إحدى المنظمات الشريكة المحلية التابعة لإدارة الحوثي في العاصمة.

وأضاف “أظهرت مقابلاتنا مع المستفيدين الذين يحق لهم الحصول على الغذاء من المراكز السبعة أن ما يقرب من 60% من الأشخاص لم يتلقوا المساعدة التي يستحقونها”.

وقال “تشير السجلات إلى أنه خلال شهري أغسطس وسبتمبر، تم إزالة حوالي 1200 طن متري من الغذاء بصورة غير مشروعة من المخازن وتوزيعها أو بيعها لأشخاص لا يحق لهم استلام السلع”، مشيراً إلى أنه “أظهرت تحقيقات أخرى أجراها برنامج الأغذية العالمي في محافظة صعدة أنه لم يتم تقديم سوى ثلث الحصة المقررة للمستفيدين المسجلين هناك”.

وخلاصة القول إنه ما لم تجري عملية تقييم واسعة النطاق لعمل المنظمات الإنسانية ومحاسبة المتورطين بالتلاعب في الملف الإنساني والاتفاق بين الحكومة والتحالف وهذه الجهات على آلية عمل جديدة وواضحة، فإن المأساة الإنسانية سوف تزداد وسيجري تنميتها بالتفرج عليها تكبر دون مكافحة كون استمرارها فيه مصلحة لهذه الجهات الدولية بالربح والثراء والحصول على الأموال كلما أطلقت نداء إنسانياً.