كيف تُعرف بالقضية اليمنية في خمس دقائق! (2-3)

 فيصل علي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: مارس 8, 2019

” الدبلوماسية في زمن الحرب مسؤولية الجميع دون استثناء”.. وليام سترانج

يتحدث البعض بدون وعي عن الشراكة بين التحالف و اليمن مؤكدين على ضرورة هذه الشراكة، و نحن لا نقبل شراكة أحد فيما يتعلق باليمن أرضها و سمائها و ماءها و سكانها فاليمن لليمنيين وحدهم، فمفهوم الشراكة المطاط لا يتناسب مع أفكارنا في “يمنيون” و لا مع أفكار الكثير من النخب و لن يتوافق مع شعبنا بتاتاً.

بعد انتصار الثورة الطائفية في إيران سنة 1979 حلت اللعنة بخارجيتها، فقد تم تقديم الخطباء و الملالي على الدبلوماسيين، و تحول وعاظ قم و أصحاب اللطميات و الردح الديني على الطريقة الخمينية إلى سفراء، و جاء القرويون إلى السفارات و صاروا دبلوماسيون، و أزيح عن المشهد رجالات الخارجية السابقين، و في اليمن نفس الشيء تم في خارجية هادي  ففي عهد المخلافي تم تقاسم السفارات بإسم مخرجات الحوار مناصفة بين الشمال و الجنوب، مع أني أشك في المناصفة و أرفضها شكلاً و مضموناً، لأنها مجرد مناطقية على حساب الكوادر المؤهلة، و أتت هذه المناصفة “بالمتوردين” من خارج السلك الدبلوماسي، و صار الخطباء سفراء، و بعد أن ازعجونا بالتخويف من النار و من الشجاع الأقرع في منابر الجمعة، صاروا يعظون خلق الله و بالإنجليزي كمان.

تلا فضيلة سفير هادي في ماليزيا أمام الملأ في مؤتمر مصغر للتضامن مع مأساة اليمن أُقيم في ماليزيا يوم 23 فبراير الماضي قوله تعالي: “و إِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ” صدق الله العظيم، و على العالم اليوم أن يتحقق من الفئة الباغية في اليمن و بالله التوفيق.

و هذا مجرد مثال على أن الدبلوماسية مازالت بعيدة عن القضية برمتها، فبعد أن ظننا أننا قد تجاوزنا نقطة الاستدلال بالقرآن فى الشأن السياسي ، بإعتباره استخدام غير لائق للقرآن و اقاحامه في الصراع السياسي ، و تحويل الصراع من سياسي إلى ديني، نكتشف أن خارجية هادي تستخدمه لتبرير الحرب الدائرة في اليمن، و تُعيدنا إلى نقطة الصفر.

سفير هادي في ماليزيا هو صديق عزيز تعرفتُ عليه منذ قدومه، فهو رجل مهذب و محترم و لبق و يكتب الشعر على طريقة النظم بدون صور شعرية، و لغوياً يتصف شعره بالدقة و خال من الأخطاء و الروح معاً، وهذا مكسب للخارجية أن يكون السفير أديباً و شاعراً و طيباً و طبيباً أيضاً، و حين صعد لإلقاء مداخلة في مؤتمر التضامن مع اليمن حددها المنظمون بخمس دقائق فقط بعد مراجعات مُضنية استمرت ثلاثة أسابيع قبل بدء المؤتمر، قال كلاماً جيداً وقف له شعر رأسي و صفقت بكل ما أوتيت من قوة، لقد حاز السفير على إعجابي و أنا الذي لا يعجبني أحد إلا أنه فعل، كان يخاطبني أنا هكذا أحسست، و من سياق المؤتمر الإنساني السياسي في آن، كان سفيرنا يغرد خارج السرب و بد غريباً و حيداً و بحسب  أحد أتباعه هنا في ماليزيا فقد وصفه يومها “باليمني الوحيد “و وصفه أحد تابع أخر “بالقعقاع” و هي أوصاف جيدة و لائقة بفضيلة السفير الخطيب الشاعر المنفعل الغاضب.

بدأت أعمال المؤتمر في التاسعة صباحاً و أنتهت في الثانية ظهراً، المؤتمر بشقيه الإنساني و السياسي أعلنت فيه ماليزيا سياستها الجديدة على لسان وزير خارجيتها الذي ألقى خطاب رئيس الوزراء الدكتور مهاتير محمد بالإنابة، و قال أن بلاده ليست مع أحد ولا ضد أحد، محملاً السعودية تفاقم الوضع الإنساني في اليمن، و حمل الخطاب رسائل واضحة للسعودية و التحالف، فماليزيا ضد الحرب.

يعتقد سماحة السفير باحميد هو و كثير من اليمنيين في الداخل و الخارج أن اليمني هو الوحيد الذي يفهم القضية اليمنية و حقيقة الصراع في اليمن، و لذا صب غضبه على عدم فهم الفيلسوف شاندرا مظفر و من معه في المؤتمر للقضية اليمنية، و هذا اندفاع عاطفي محض، فقد رأينا سعادته حينما ارتفع صوته أكثر من اللازم و غضب كما يغضب رجل الشارع متناسياً العُرف الدبلوماسي في فن التفاوض أو إيصال الرسائل، و أعتقد أن ما فعله شيء طيب، فلنعذره فهو حامل ختم البعثة الدبلوماسية و سنلتمس له سبعين عذراً أو مائة لا مشكلة، لكن دفاعه عن السعودية لم يكن متوافقاً مع العُرف الدبلوماسي، و لا هي مهمته التي جاء من أجلها ألا و هي؛ رعاية مصالح اليمن و تطوير العلاقة بين اليمن و ماليزيا و رعاية مصالح الجالية اليمنية في ماليزيا.

تستطيع المملكة العربية السعودية الدفاع عن نفسها فلديها تمثيل و حضور مميز، لكن سفيرها بحكم فهمه للمؤتمر فقد غاب تحاشياً للحرج، فالمؤتمر موجه ضد بلده، و كان الأحرى بسفير بلدنا أن يغيب و يرسل أتباعه و فريقه المساند من خارج حدود السفارة ليوصلوا رسالته عبر المداخلات المفتوحة و المتاحة للجميع، و يستطيع بعدها أن يحمل رسالة من خارجيته للخارجية الماليزية يشرح بها وجهة نظر بلده.

لكنه عرض نفسه للحرج وعرض معه 17 ألف مواطن يمني للخطر، هم نازحون من الحرب و مقدمي لجوء و طلاب و حاصلون على فيز خاصة ، كانت الحكومة السابقة قد منحتها مجاملة لرجل الأعمال اليمني الماليزي  فؤاد هائل سعيد، و لم تستطع خارجية هادي للأسف أن تحولها منذ 2015 إلى اليوم من منحة خاصة إلى بروتوكول رسمي بين خارجيتي البلدين.

لكل مقام مقال، و مداخلة سفيرنا حفظه الله و رعاه كانت صحيحة فصيحة إذا حذفنا منها الدفاع عن السعودية، لكنها لم تكن في مكانها و لا في وقتها الصحيح.

“وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا ** مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى” كما قال الشاعر.

كما أن الحديث حول إنقاذ فضيلة السفير لفخامة الرئيس هادي من موت محقق و كمين مرصود في حضرموت 2015 لم يكن له من داع، نحن اليوم في العام 2019 و الرئيس حفظه الله بخير و عافية و لا داعي للبطولات أمام مؤتمر للبحث في إنسانية القضية اليمنية وفي كونها قضية سياسية، حتى أن روايات الرئيس لطريقة هروبه لا تهتم بهذه الجزئية التي ربما قد تكون هشة و قد لا تعجب فخامته، إذن لنترك له وحده رواية ما حدث لفخامته فهو حي يرزق.