‏صحفيون خلف القضبان

مأرب الورد

بحلول الشهر القادم سيدخل الزملاء الصحفيين المختطفين لدى الحوثيين عامهم السادس دونما ذنب ارتكبوه، وكل تهمتهم أنهم يعملون في مهنة الصحافة مع أن ذلك ليس جريمة، لكنه عند هؤلاء القادمين من خارج التاريخ جريمة تستحق الإعدام والسجن سنوات طويلة.

لا نكتب عنهم من باب إسقاط الواجب أو تذكير الآخرين للقيام بواجباتهم تجاههم، وإنما لأن هذا واجبنا تجاه الزملاء المظلومين الذين يستحقون منا بذل كل الجهود والكتابة باستمرار حتى يستعيدوا حريتهم، وهذا ما نلتزم به منذ لحظة اختطافهم في ذلك اليوم المشؤوم والحزين والذي سيبقى وصمة عار في جبين سجانيهم.

واجب كل إنسان حر قبل أن يكون صحفياً هو الدفاع عن المظلومين ورفض مصادرة حرياتهم لمجرد ممارسة حقهم المشروع في التعبير عن آرائهم واحتفاظهم بمعارضة من يُمسكون بزمام السلطة بغض النظر عن الطريقة التي جاءوا بها.

سنظل نكتب عن الزملاء ونحكي تجاربهم المهنية للناس وننشر صورهم حتى يدرك أولئك الذين لا يفهمون معنى الحرية أنهم سيدفعون ثمن ما اقترفوه حينما تعود الدولة وهي لا محالة قادمة بتضحيات المناضلين من أبناء الوطن، الذين لا ترهبهم التحديات مهما كانت ومهما عظمت.

نحن نفتخر إلى عنان السماء بالزملاء عبدالخالق عمران وهيثم الشهاب وهشام اليوسفي وهشام طرموم وحارث حُميد وأكرم الوليدي وحسن عناب وتوفيق المنصوري، وعصام بلغيث الذين عرفناهم وعشنا معهم أجمل الأيام والشهور والسنوات، وكانوا بحق قمة في الأخلاق والتضحية والتفاني من أجل الآخرين.

الجريمة الأولى والكبيرة بحقهم هي اختطافهم من مقر عملهم، ومنها تناسلت الجرائم مثل التعذيب والحرمان من النوم والأكل والرعاية الصحية والزيارات الأسرية والمحاكمات الهزلية وقرارات الإعدام السياسية التي لا تساوي القلب الذي كُتبت به، وكلها جرائم لا تسقط بالتقادم كما يقول أهل القانون.

تحوّيل قضيتهم إلى ورقة سياسية أمر متوقع من قبل مليشيات لا تمتلك ذرة إنسانية، وهي تثبت لليمنيين كل يوم أن لا إمكانية للتعايش معها ما دامت تحوز القوة المسلحة التي نهبتها من مخازن الدولة، ذلك أن أي تفكير غير هذا يعني التسليم للاستعباد والقهر والذل والتخلف والجوع سنوات طويلة، وهذا ما لا يقبله اليمنيون الذين دفعوا ثمناً باهظاً لاستعادة دولتهم وحريتهم كاملة غير منقوصة.

لقد وقعت الشرعية في خطيئة كبيرة حين قبلت مبادلة المختطفين المدنيين بالأسرى المقاتلين، مهما كانت دوافعها مثلما قِيل وقتها بأنها تنازلت على أمل إخراج المختطفين، لكن الحوثيين ليسوا أصحاب مواثيق وكل ما فعلوه أنهم ثبتوا ما أرادوا من مساواة المدني بالعسكري وتحوّيل القضية من إنسانية إلى سياسية.

وعلى أية حال، لا يجب أن يدفعنا هذا الواقع للاستسلام له بذريعة وجود اتفاق مدعوم بقرار دولي طالما الطرف الآخر غير مستعد لتنفيذه ولو بالحد الأدنى، وعلى الشرعية أن تعيد مراجعة أدائها في هذا الجانب وتفكر في خطوات تدفع المتمردين للقبول بالتنفيذ ولا شيء غيره، وبحوزتها أوراق تحقق ذلك إن أحسنت استثمارها والتعامل معها.

قضية الصحفيين كما كل المختطفين مسؤولية المبعوث الأممي مارتن غريفيث الذي يتجاهلها دون مبرر واضح، عدا رغبته في عدم إغضاب الحوثيين، وموقفه في إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن والتي تجاهل فيها هذه القضية إلا مجرد دليل سريع لما نقول، حيث اكتفى بالتمني بالإفراج عنهم بدلاً من المطالبة الصريحة كجزء من مسؤولياته.

الصحفيون ليسوا ورقة للمساومة ويجب على نقابة الصحفيين أن تتحرك بشكل قوي وترفع صوتها عالياً لرفض هذا الاستهتار بحرية الإنسان وكرامته وتضغط عبر المنظمات والنقابات والهيئات الصحفية العالمية والإقليمية والعربية لإطلاق سراحهم دون شروط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى