وهم فتح معابر تعز

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أكتوبر 15, 2019

كلنا قرأ رسالة محافظ تعز السابق “شوقي أحمد هائل” التي وجهها لأبناء تعز الأسبوع الفائت، والتي لامس من خلالها معاناة أبناء المدينة المستمرة لخمس سنوات، لكنها لم تلامس آذان ومشاعر الشرعية والتحالف، اللذين يلهثان خلف مصالح زائفة على وقع أنات الجرحى والمكلومين من أبناء تعز.

 

ربما عجز شوقي حينما كان محافظا لتعز أن يحمي المحافظة من المد الحوثي الذي لف كل محافظات الجمهورية، لكنه كان بإمكانه يومها؛ لو تسامى “التعزيون” حينها عن الحزبية؛ تخفيف الوطأة على المحافظة، فالرجل لديه من الوجاهة والقبول لدى كثير من اليمنيين، وإن كان الحوثيون لا يقدرون لأحد قدرا.

 

ومعروف أن محافظة ومدينة تعز من أكثر المحافظات اليمنية تضررا من الحرب، فهي المحافظة الوحيدة التي أحكمت حلقات الحصار عليها من جميع الأطراف، فالإجرام الحوثي على المدينة بلغ حدا غير معهود في عالم الحروب، فقد منعوا دخول الماء والغذاء والأدوية والمساعدات الإنسانية للمحاصرين، ناهيك عن منع المواطنين من الدخول والخروج، وجعلوهم في سجن كبير، في جريمة من أبشع الجرائم الإنسانية في التاريخ الإنساني.

 

وبالمثل، فقد ارتكبت الشرعية هي الأخرى جريمة بحق تعز، حيث تعمدت إبقاءها كمنطقة محاصرة دون العمل على تحريرها نزولا عند قرارات المحتل الإماراتي، أما التحالف فكانت جرائمه أشد وطأة من جرائم الحوثي نفسه، حيث صدر لأبناء تعز كل الجماعات الإرهابية، وعمل على توطينهم في المدينة، وأسس لفوضى واقتتال لن تندمل جراحه على مدى عشرات السنين القادمة.

 

مرت خمس سنوات رسف خلالها التعزيون تحت سلاسل الحصار الظالم واللاإنساني، دون أن ينظر لهم العالم، حتى المنظمات الإنسانية الأممية شاحت بوجهها عن أنات وصراخ الملايين من أبناء تعز، في مؤامرة واضحة جلية لتركيع؛ ليس أبناء تعز وحسب وإنما؛ أبناء اليمن قاطبة، وجعلهم يحنون رؤوسهم تحت أقدام الحوثيين، الذين يمثلون المد الشيعي المدعوم عالميا.

 

وبينما كشفت رسالة “شوقي” عن تحركات حثيثة يقوم بها على مستوى أطراف الصراع الذين تلطخت أيديهم بدماء أبنا تعز (الحوثيون والشرعية والتحالف وممثل الأمم المتحدة) في محاولة لفتح منافذ المدينة، وتخفيف وطأة الحرب على أبنائها، إلا أن وسائل الإعلام المختلفة امتشقت أقلامها لتغوص في مشاهد خيالية عن وقائع فتح المعابر، حتى أنها نشرت تفاصيل بنود اتفاق لا وجود له في أرض الواقع، وكأنها هي من توسطت لدى الأطراف لإبرام هكذا اتفاق.

 

الشيء الذي نجحت فيه تلك الوسائل الإعلامية من خلال حديثها عن الاتفاق الهلامي ونشر بنوده هو بعث الأمل لدى أبناء تعز من جديد، لكنها كادت أن تتسبب في كارثة حقيقية، فالمواطنون وقيادات السلطة المحلية وقيادات الجيش الذين توافدوا إلى المعابر لحضور مراسم الافتتاح، كادوا أن يكونوا ضيحة رصاصات قناصة الحوثي المتمركزة في البيوت والتباب المشرفة على المعابر لولا لطف الله، قبل أن تعلن تلك الوسائل تراجع المليشيات الحوثية عن وعودها بفتح المعابر، ونكثها بالاتفاق.

 

والسؤال هل حقا هنالك اتفاق حول فتح المعابر وفك الحصار عن تعز؟

 

خلال المشاورات الماضية التي تبنتها الأمم المتحدة؛ لم يحظى حصار تعز بقبول الأطراف المتحاربة طرحها في أجندات مشاوراتهم، وحتى المبعوثين الأممين المتعاقبين غضوا الطرف عن حصار تعز، ابتداء من مباحثات “بيل” السويسرية، وانتهاء بمشاورات “استوكهولم” السويدية، وإن كانت الأخيرة طرحت فيها على خجل دون تبني حلول لها.

 

ومن خلال تغريدة المحافظ الحالي لتعز “نبيل شمسان” والتي قال فيها: “متى أعلن الحوثيون بشكل رسمي وقاموا بفتح المعابر من قبلهم فإن المعابر من جانبنا ستكون جاهزة لأننا لسنا من يغلق المعابر، وقد وجهنا قيادة المحور بذلك”، وفي المقابل قرأنا تغريدة للقيادي الحوثي محمد على الحوثي ينفي فيها وجود حصار على مدينة تعز من قبل جماعته، وكلامهما هذا ينفي وجود أية اتفاقات لفتح المعابر، ويؤكد أن الأمر لايعدو كونه تكهنات بنيت على رسالة “شوقي” ليس غير.

 

بالتأكيد الجميع يتطلع إلى رفع المعاناة عن أبناء تعز، ويبارك أية جهود تسفر عن إنهاء الحصار، ولكن يجب أن يكون ذلك وفق أطر رسمية، وإشراف أممي، وليس عبر تصريحات من هذا أو ذاك.

 

نحن نعلم أن ثمة بوادر تلوح في الأفق، وبصيص أمل يشع من بعيد، يشي بحلحلة الأمور في الأزمة اليمنية، وتوجه دولي لإنهاء الحرب، بعد أن تشعبت الأمور عالميا، وخرج كثير منها عن السيطرة، وهو ما يفسر تواصل وزير الأشغال في حكومة الحوثيين مع النائب البرلماني عبد الكريم شيبان رئيس لجنة مفاوضات فتح الطرقات عن الشرعية، ليؤكد له وجود توجيهات عليا من قيادة الجماعة بفتح طرقات تعز. لكن ذلك لايعني أن تفتح المعابر في عشية وضحاها بهذه السهولة، فالحوثيون لهم حساباتهم، كما أن للتحالف حساباته، والتي بالتأكيد لن تكون لآمال وتطلعات التعزيين فيها وجود.

 

ويبقى الأمل مشروعا ليس لفتح معابر تعز وحسب، وإنما لرفع المعاناة عن كل اليمنيين، وعودة الروح إلى ربوع اليمن، ليحيا الجميع في أمن وسلام واطمئنان.