واجب البرلمان الذي تخلى عنه

مأرب الورد

يمثل مجلس النواب في أي بلد يحتكم للديمقراطية أو شكل منها الجهة الرقابية على بقية مؤسسات الدولة الأخرى، باعتباره المؤسسة التشريعية التي تمثل صوت الشعب الذي انتخبه للدفاع عن مصالحه.

في اليمن لدينا مجلس هو الأطول عمراً في العالم ويمكن أن يُقال الكثير عن الطريقة التي جاء بها أعضائه وعن وضعه القانوني اليوم بعد تجاوز فترته المحددة، فضلاً عن الدور الذي اضطلع به منذ انتخابات عام ٢٠٠٣، لكنه رغم هذا كله يمثل مؤسسة تحظى بالشرعية الدستورية والتوافق السياسي والاعتراف الدولي مثل الرئيس هادي.

لكن هذه المؤسسة التي يُفترض أن تشكل ضغطاً على الرئيس والحكومة لأداء مهامهما الدستورية والقانونية في ظل الوضع الراهن، لم تقم بواجبها حتى بعد التئامها قبل عام وانتخاب هيئة قيادة جديدة بالتوافق.

لا يمكن تبرير هذا التنصل من المسؤولية بسبب عدم القدرة على عقد الجلسات في الداخل، ذلك أن الأعضاء وقيادتهم لم يبدو جدية واضحة على أنهم يريدون استئناف عملهم بدليل غياب التصريحات الفردية أو المواقف الجامعة الضاغطة لتحقيق ذلك.

يجب تذكير الأعضاء بأن عملهم ليس مختزلاً في الجلسات التي تسمح لهم بمناقشة القضايا العامة وتقارير الجهات الحكومية واستجواب الوزراء والمسؤولين، مع التأكيد على أهميتها وأن لا برلمان بدونها، ولكن طالما هذا غير ممكن أياً كان السبب وراء ذلك، فهذا لا يعفيهم من القيام بوظائفهم الأخرى.

ما الذي يمنع من متابعة الحكومة وتقييم عملها من خلال التقارير الدورية التي يُفترض أن يُطلب منها تسليمها للمجلس؟ لماذا لم يتم تفعيل اللجان المختلفة وانتخاب أعضاء ورؤساء ومقررين لكل لجنة فيها، ويمكن حل ذلك بتكليف لجنة من ثلاثة أعضاء يتواصلون مع الجميع ويبلغونهم بضرورة تفعيل أبرز اللجان العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والخارجية وغيرها ويحددون وقتاً قصيراً لموافاتهم بأي اللجان يريدون ومن ثم تعلن الأسماء وتقوم بدورها.

وكل لجنة تتابع الجهات المعنية بها وتحاسبها من خلال تقاريرها التي يجب أن تخضع للمراجعة حتى يتسنى التقييم وإبلاغها بما يتعين عليها تصحيحه والقيام به، على أن تقوم هذه اللجنة برفع تقاريرها وما تراه للرئيس وتعلن ما يستدعي ذلك.

هذا الأمر يمكن القيام به إذا كانت هناك إرادة صادقة للعمل واستشعار المسؤولية، ولن يكون صعباً حتى في الخارج طالما الأغلبية هناك، وفي الداخل يمكن العودة كجزء من النزول الميداني للقاء المسؤولين المحليين والتعرف على الواقع.

إذا قام البرلمان بهذا العمل في الحدود الممكنة وألقى بالأعذار الصحيحة وغير الصحيحة جانباً، سيشكل ضغطاً على المسؤولين ويساعد بأي شكل على تحسين عملهم وإشعار المقصّر والفاشل منهم أنه سيتم تغييره بناء على الكفاءة واستبداله بآخر من الجهة التي ينتمي إليها.

قد يقول البعض وما الذي يملكه البرلمان للضغط على الحكومة للتعاون والالتزام بتقييم وتقارير لجانه طالما وهو غير قادر على عقد أي جلسة لاستجوابها أو حجب الثقة عنها، وهذا تساؤل مشروع ومنطقي، ولا غبار عليه، والجواب على ذلك يكمن في أن الأساس سيتحقق وهو تشكيل ضغط بنسبة معينة وهذا سيؤدي لتحسين وتغيير أفضل مما كان خلال السنوات الماضية.

عندما تتابع اللجنة جهات عملها وتعرف كيف تسير الأمور بطريقتها الخاصة ومن وحي التقارير المقدمة لها، سيكون بمقدورها العمل بالتعاون مع هيئة محاربة الفساد بعد إعادة تعيين قيادتها وأعضائها وجهاز المحاسبة.

أيهما أفضل أن يمارس النواب هذا الدور الرقابي الممكن، أم يبقى الوضع على حاله؟ أعتقد أن الجواب المنطقي هو أن القيام بهذا الدور أفضل من عدمه، وطالما هو كذلك يبقى السؤال المشروع الآخر: لماذا يقوم الأعضاء بواجبهم؟

في السابق كان يُقال إن الرئيس يمنع البرلمان من الانعقاد لأنه يرفض اختيار سلطان البركاني رئيساً له، ويريد بدلاً عنه ابن محافظته محمد الشدادي، وبعد ذلك التئم شمله وانتخب البركاني ولا نعرف ما هي الحجة اليوم إلا إن كان المكان والأمان وهي واقعية إن تحدثنا عن عقد جلسات، أما ونحن نتحدث عن رقابة لجان فلا أرى مبرراً في الواقع.

النواب منتخبون من الشعب وليسوا كالوزراء والمسؤولين مُختارين من مكوناتهم والرئيس كي يخافوا على مناصبهم ومستقبلهم إذا لم يتماهوا معهم، ناهيك عن أن افتراض الضغط عليهم من أحزابهم بقناعتها أو بضغوط خارج إرادتها لن يؤثر عليهم كثيراً مثل المسؤولين حتى لو وصل الأمر لفصلهم لأنهم سيبقون نواباً ولا خوف من المستقبل طالما الانتخابات ليست على الأبواب، فضلاً عن أن فصلهم لمواقف وطنية يُحسب لهم ويرفع رصيدهم شعبياً.

على ماذا يخافون؟ هل على الراتب الذي هو حق مكفول وتدفعه حتى اليوم الدولة اليمنية من إيراداتها، أم يخشون خسارة مكاسب تعيين أقاربهم وأنفسهم في السفارات والوزارات، أم المصالح الأخرى؟

أضعف الإيمان والعمل البرلماني أن يكون للنائب صوت قوي وواضح تجاه كل ما يجري في وطنه، وما يُستجد فيه، سواءً أزمة سياسية أو خسارة مدينة أو تفشي الأوبئة والجوع أو خلافهم، وهذا ما لا نراه إلا نادراً وعلى استحياء ومن البعض والثابت هو الصمت والتهرب من الواجب والمداهنة والتبرير لأطراف معينة داخلية وخارجية.

النائب الذي لا يتبنى موقفاً علنياً كلما احتاجه شعبه، لا يختلف عن زميله الذي انضم للحوثيين وانقلابهم، وهو قبل ذلك يسجل مكانه في الصفحة التي لا يرغبها أي إنسان عاقل في تاريخ وطنه.

من يتعذر بالعجز عن القيام بعمله عليه أن يستقيل أفضل وأشرف له مما يتحمل صفة المسؤولية وهو غير مستعد للتضحية بأي شيء من أجل الناس الذين انتخبوه.

الكثير من النواب يغطون في صمت عميق ويعيشون مع أسرهم في الخارج ولا يحرّكون ساكناً حيال ما يجري، وحين يعلن الحوثيون اتخاذ أي إجراء بحقهم من قبيل مصادرة منازلهم وممتلكاتهم يخرجون من صمتهم ويتكلمون حتى تشعر أن بعضهم لا يهمه إلا بيته وهو الذي يستدعي الكلام ولا يخجلون من أن المنزل لا يشكل شيئاً من الثمن الذي يجب أن يدفعوه كمعارضين للانقلاب ومقارنة بالثمن الذي يدفعه المواطن البسيط، مع أننا لا نستنكر حقهم في الدفاع عن ممتلكاتهم بقدر ما نلومهم على التزامهم الصمت إزاء الأذى الذي يتعرض له شعبهم وبلدهم.

لو أن كل مسؤول اكتفى بموقفه من الانقلاب فور وقوعه والتزم الصمت لما استمر كل هذا الرفض الشعبي والمقاومة، ولما استطعنا تحرير العديد من المحافظات، ثم إن البرلماني والمسؤول ليسوا كالمواطن الذي لا يملك تأثيراً بمفرده إذا ما تكلم أو صمت، وبالتالي عليهم مسؤولية كبيرة ومن لا يريد التضحية من أجل استعادة الدولة عليه أن يستقيل ولن ينتقده أحد.

ومرة أخرى قد يسأل أحدهم وكيف تعوّل برلمان تاريخه غير منحاز للناس، وهل نسيت مواقف الكثير من نوابه؟ الحقيقة أن كل هذا معروف وكل ما قلته ينطلق من فكرة أن هؤلاء مسؤولين بحكم مواقعهم بغض النظر عن ماضيهم وأن هذه المسؤولية تجعلهم عرضة للانتقاد والتساؤل ولا تسقط إلا بزوالها أي بالاستقالة، وهذا لا يعني أننا نعوّل على هذا أو ذاك بقدر ما نحاول تذكير هؤلاء وغيرهم بأنهم مسؤولون عما يجري وأن بمقدورهم فعل شيء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى