هل يعود الدب الروسي إلى جنوب اليمن على ظهر “الناقة” الإماراتية؟!.. محللون روس وغربيون يجيبون

اليمن نت- تقرير:
المجال: أخبار, تقارير التاريخ: أغسطس 23, 2019

تظهر روسيا في الملف اليمني في استراتيجية أكثر احتياطاً من إثارة السعودية أو الإمارات بدعم أي طريق لأحدهما كما جرى بوضوح في الموقف الروسي من “انقلاب عدن” على يد ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي.

لكن علاقتها مع الإمارات المتطورة قد تدفعها إلى دعم “المجلس لاحقاً” حسب ما أفاد محللون روس وغربيون مطلعون على سياسة موسكو.

وفي 10 أغسطس/آب، صرح نائب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة “ديمتري بولانسكي”، للصحفيين بأن روسيا تعتبر الصراع في اليمن “أحد أكثر المواضيع أهمية في جدول أعمالها”، لكنه رفض التعليق على استيلاء المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن. ولم تتضمن ملاحظات “بولانسكي” الغامضة إشارة إلى دعم روسيا لوحدة الأراضي اليمنية.

ويختلف الموقف الروسي بالكامل عن الموقف الأوروبي والأمريكي المؤيدة لوحدة اليمن ردا على الاشتباكات في عدن.

الوجود الروسي القديم

ويشير موقف لوب لوج الأمريكي بينما توسِّع روسيا وجودها في الشرق الأوسط، يمكن أن يؤدي هذا إلى مزيد من التدخل في اليمن، وإعادة تأسيس نفسها طرفاً فاعلاً رئيسياً في تلك الدولة. فالمصادمات الأخيرة في عدن بين المجلس الانتقالي الجنوبي المؤيد للانفصال والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً فتحت مجالاً أكبر أمام التدخُّل الروسي.

وقال مارك كاتز أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج ميسون للموقع الأمريكي: «بالتأكيد يمكن لموسكو العمل مع المجلس الانتقالي الجنوبي ودولةٍ مستقلة في جنوب اليمن. فرغم كل الشيء، كان جنوب اليمن لديه نظامٌ ماركسي موالٍ للسوفييت منذ استقلاله عن بريطانيا في عام 1967 حتى توحيده مع شمال اليمن في عام 1990 في نهاية الحرب الباردة. وكذلك فالكثيرون من الجيل الأكبر سناً من النخبة اليمنية الجنوبية تعلَّموا في الاتحاد السوفييتي، واستمرت الاتصالات بينهم وبين روسيا».

وصحيح أن المكانة الروسية المهيمنة في جنوب اليمن تضاءلت بعد توحيد اليمن، لكنَّ ذلك قد يتغير. إذ أدت أعمال العنف الأخيرة في عدن، التي كانت عاصمة جنوب اليمن سابقاً، إلى جعل المجلس الانتقالي الجنوبي هو القوة المهيمنة في المدينة، ليحل بذلك محل حكومة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي.

الحياد

أما صاموئيل راماني الباحث في السياسة الخارجية الروسية فيرى أن رد فعل روسيا الحذر على سيطرة المجلس الانتقالي في عدن يكشف عن رغبتها في أن تظل محايدة في الوقت الذي تتباين فيه مصالح المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في اليمن. وتعكس استراتيجية التحوط التي تتبعها موسكو أيضا الشكوك التي يواجهها مجتمع الخبراء الروس حول عمق ومدى الخلافات السعودية الإماراتية في اليمن.

وفي الطرف المتشائم، جادل “سيرجي سيربروف”، الخبير في شؤون اليمن في معهد الدراسات الشرقية في موسكو مؤخرا بأن الصراع في اليمن لم يعد “حربا أهلية” بل “نتاج للتدخل العسكري للتحالف العربي”.

واستبعد محللون روس آخرون، مثل خبير الدفاع “كيريل سيمينوف”، احتمال حدوث “صراع مفتوح بين السعودية والإمارات في اليمن”، وأشاروا إلى التصريحات العلنية الإماراتية الحذرة بشأن الأحداث في عدن.

وطوال الحرب الأهلية اليمنية، التي اندلعت في مارس/آذار من عام 2015 بعدما أطلق التحالف الذي تقوده السعودية حملةً عسكرية لسحق الحوثيين وإعادة حكومة هادي إلى السلطة، بقيت موسكو بعيدةً عن صدارة المشهد، وحافظت على علاقاتها بجميع الأطراف مع رفض إعلان دعمها الصريح لأيِّ طرف.

ويقول بيتر سالزبري، الخبير المتخصص في الشؤون اليمنية في مجموعة الأزمات الدولية: «طوال الحرب، لم تكن روسيا طرفاً فاعلاً مرئياً أو نشطاً بدرجةٍ كبيرة في اليمن. صحيح أن الروس أبقوا بعض موظفي السفارة في صنعاء حتى مقتل (الرئيس اليمني السابق علي عبدالله) صالح في ديسمبر/كانون الأول من عام 2017، واستقبلوا بعض ممثلي الحوثيين ومسؤولي المجلس الانتقالي الجنوبي في موسكو، لكنَّهم أكَّدوا كذلك أنَّهم يحترمون شرعية حكومة هادي».

 

آمال الحوثيين والمجلس الانتقالي

وبما أن روسيا تعمل باستمرار دبلوماسيا مع ممثلي الحوثيين، منذ أوائل عام 2015، يأمل المسؤولون الحوثيون في أن تؤدي الأحداث الأخيرة في عدن إلى تأييد موسكو لتسوية سلام جديدة تضفي الشرعية على سلطة الحوثيين على صنعاء.

وقال “ناصر الربيعي”، المراقب اليمني الموجود في صنعاء، لـموقع “المونيتور الأمريكي”، إن المفاوضين الحوثيين يخططون للفت انتباه المسؤولين الروس إلى احتمالات “الحرب القريبة” بين الحلفاء السعوديين والإماراتيين في اليمن والتأكيد على أنه “يمكن للحوثيين وحدهم أن يتصرفوا بحكمة”، مع الأخذ في الاعتبار أيضا أن التناقض بين التماسك الظاهر للحوثيين والانقسام الحاصل في ائتلاف “هادي” قد يقنع روسيا بتقديم الدعم لقضية الحوثيين.

ويعتقد المجلس الانتقالي الجنوبي أن انتصاره السريع في عدن سيقنع روسيا بدعم إنشاء دولة يمنية جنوبية مستقلة. وعند سؤاله عن إمكانية دعم روسيا لمشاركة المجلس في مفاوضات السلام المدعومة من الأمم المتحدة.

قال “أحمد بن فريد”، كبير دبلوماسيي المجلس في أوروبا، لـ”المونيتور”: “هناك حقيقة جديدة على الأرض، وقد شهد العالم هذا الواقع”. ويعتقد “بن فريد” أن التدفقات الأخيرة من الدعم الشعبي للمجلس ستجبر القوى العالمية الكبرى، مثل روسيا، على التوقف عن تجاهل مطالب جنوب اليمن.

ولا يعد تفاؤل “بن فريد” غريبا، حيث قام زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي، “عيدروس الزبيدي”، بزيارة موسكو، في مارس/آذار. وقد أبرز السفير الروسي في اليمن “فلاديمير ديدوشكين” بشكل متكرر أهمية حل مسألة وضع جنوب اليمن. ومع ذلك، لم تؤيد روسيا علنا إدراج المجلس في أي تسوية سلمية مقبلة، حيث تلتزم روسيا رسميا بوحدة اليمن، ولا ترغب في أن يُنظر إليها كداعم لتطلعات الهيمنة الإماراتية على البحر الأحمر. لكن بالنظر إلى المستقبل، قد يغير ركود عملية السلام في اليمن سياسة روسيا تجاه المجلس ذو التطلعات الانفصالية. وقال السفير الروسي السابق في السعودية “أندريه باكلانوف” لـ “المونيتور”، إنه إذا لم تبد الأطراف المتحاربة في اليمن “درجة مناسبة من الاستعداد لتقديم التنازلات” فقد توافق روسيا على السماح لجنوب اليمن “بتشكيل حكومته الخاصة لإحلال السلام في المنطقة”.

وعلى الرغم من أن الأحداث في عدن قد تشجع روسيا على إقامة علاقات أوثق مع الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي، إلا أن تصرفات موسكو مقيدة بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2216، الذي يدعم اليمن الموحد. وكانت روسيا هي الدولة الوحيدة التي امتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2216، حيث كانت تخشى أن يؤدي فرض عقوبات على الحوثيين إلى تصعيد النزاع، لكن موسكو لم تحاول إصلاح القرار منذ تنفيذه.

 

العلاقة مع الإمارات

ومن العوامل الأخرى التي تجدر الإشارة إليها هنا العلاقة بين موسكو والإمارات العربية المتحدة، التي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي وجناحه العسكري؛ إذ أصبحت كلتا الدولتين تدعمان بعضهما البعض دعماً متزايداً، ويبدو أنَّ مصالحهما تتفق هناك.

 وقال كاتز: «يبدو أنَّ روسيا والإمارات العربية المتحدة لديهما مصالح مشتركة وراء تقديم الدعم في جنوب اليمن، كما هي الحال في بعض المناطق الأخرى في الشرق الأوسط».

إذ وجدت روسيا والإمارات العربية المتحدة كذلك أرضيةً مشتركة في ليبيا تتمثَّل في دعم قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر. وفي توافقٍ آخر مع الموقف الروسي، أصبحت الإمارات أكثر تقبلاً لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، إذ أعادت فتح سفارتها في سوريا في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي. وكذلك تُظهِر الدولتان دعماً للوضع العسكري الحالي في السودان. حتى إنَّ أبوظبي خففت من حدة معارضتها لايران، حليفة روسيا، وشكَّكت في المزاعم التي تدَّعي تورُّط طهران في الهجوم على عدة ناقلات نفط في خليج عمان في يونيو/حزيران الماضي.

قال سالزبري إنَّه على الرغم من وجود قلقٍ من التسبب في إزعاج الولايات المتحدة أو عدم مراعاة حساسيات المملكة العربية السعودية، فإنَّ ذلك لن يمنع موسكو وأبوظبي من إقامة روابط أقوى مع المجلس الانتقالي الجنوبي وبعض الفصائل الأخرى في جنوب اليمن.

وأضاف: «أعتقد أنَّه يُمكن القول إنَّهما سيعملان على إبقاء العلاقات قائمةً مع جميع أطراف النزاع، وإنَّ هناك فرصة لدى المجلس الانتقالي الجنوبي للعمل مع حليفٍ تنفر منه الولايات المتحدة لكنَّه قريب من الإمارات العربية المتحدة، التي لديها بدورها علاقات جيدة مع موسكو».

وأشار إلى أنَّ المجلس الانتقالي الجنوبي الساعي إلى الانفصال سيكون أكثر تقبلاً للتعاون مع موسكو إذا منحته روسيا الدعم واعترفت بشرعية قضيته.