هل يطيح كورونا بالجماعات المسلحة في اليمن؟

ياسين التميمي

قبل جائحة كورونا كان الحوثيون مطمئنون إلى أن ترتيباتهم ستفضي إلى ترسيخ سلطة ونفوذ الجماعة وتقربهم أكثر من المشروع السياسي بعمقه العقائدي الذي يكتمل بعودة الإمامة الزيدية الصريحة، رغم أن مسعى كهذا يختفي خلف الشعارات البراقية واللعنات التي يكيلها الحوثيون لأمريكا وإسرائيل وقوى الاستكبار الدولي وهي النسخة طبق الأصل من الممارسات المقوضة للعيش المشترك ولدولة المواطنة في إيران.

وبالمثل واصلت الإمارات وتحت أنظار السعودية، توفير كل الإمكانيات لتوطين المشروع السياسي المعزول للانفصاليين في الجنوب، والذين ضاقت دائرتهم لتنحصر في المجلس الانتقالي دون غيره من المكونات الحراكية ذات الباع الطويل في النظال الحقوقي والمطلبي والسياسي.

بين يدي هذا المجلس وضع التحالفُ بقطبيه الإماراتي والسعودي، عشرات الآلاف من القوات العسكرية والأمنية بصبغة مناطقية صارخة، وبأرتال من الأسلحة النوعية،  وطلب منه أن يكون الدُّميةَ والحامل المطيع للانفصال الذي تحول في الحقيقة إلى أجندة إقليمية صارخة، وغطاء لمشروع الهيمنة والاستحواذ على الأرض وانتهاك سيادة الوطن الجريح الذي تمارسه ابوظبي والرياض على حد سواء.

اليوم يمثل استفحال الحُميات القاتلة وفي المقدمة منها وباء كورنا المستجد، تطوراً مؤثراً في الترتيبات الراهنة على الساحة اليمنية، بعد ان تحول إلى أداة موت تحصد الأرواح دون أن يكون بمقدور جهة ما التأكد من حجم الوباء ومستوى انتشاره ومواجهته والسيطرة عليه، وصولاً إلى حماية اليمنيين منه.

كشف وباء كورونا المستجد عن انتهازية الجماعات المسلحة ذات الأجندات المعادية للدولة اليمنية ووحدتها ونظامها الجمهوري، وأظهرها غير مكترثة وغير آبهة بتاعيات الوباء الذي لا يحتاج اليمنيون اليوم إلى أي شيئ آخر سوى النجاة من تداعياته المميتة، لأن حياة الناس لا تعني العصابات فهي تمارس الموت مثلها مثل كورونا.

فقبل هذا الوباء كان متمردوا المجلس الانتقالي والحوثيون قد تحولوا خلال الخمس السنوات الماضية، إلى أشد الأدوات فتكاً بالمشروع الوطني. فالانتقالي أُوكلت إليه مهمة قطع خطوط الإمدادات عن المقاومة والجيش الوطنيين، ومضى ينخر في بنيان الكتلة الوطنية والمشروع المناهض للانقلاب في صنعاء ويتحول هو وقواته إلى مجاميع من المرتزقة التي تقاتل بالوكالة في معركة لا أهداف واضحة لها، سوى ما يضخه إعلام التحالف الذي يصف ما يجري في اليمن بأنه مواجهة مع المد الإيراني.

خلال عامين فقط من تأسيسه تحول المجلس الانتقالي إلى انقلاب صريح على الشرعية وقوة لا تقل خطراً عن الحوثيين على نحو يجعل انقلابها على الشرعية وقتالها لقوات الشرعية كما يجري حالياً في أبين، نقطة تحول مفصلية في موقف التحالف الذي أصبح قوة عدوان إقليمية.

خلفت قوات الانتقالي وضعاً مزرياً في عدن حيث تحصد الحميات مئات اليمنين من سكان المدينة، واتجهت نحو أبين لخوض المنازلة الكبرى مع ا لسلطة الشرعية التي تريد أن تعود إلى عدن للقيام بواجبها تجاه أبناء المدينة وتوفر لهم الخدمات وتنقذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح.

لم تقدم الإمارات الأدوات والأدوية والدعم اللازم لمواجهة كورونا في عدن، لكنها قدمت ما يكفي من الأسلحة النوعية للمتمردين لخوض المعركة ضد الشرعية التي يقول التحالف إنه جاء لدعمها وتمكينها من إعادة نفوذها.

أما في الشمال فيمارس الحوثيون منذ خمس سنوات لصوصية لا سابق لها في التاريخ، من خلال السطو على المساعدات المقدمة من المنظمات الإغاثية الدولية للشريحة الأشد فقراً ولنحو نصف اليمنيين الذين تأثروا بفعل استمرار ونتيجة انقطاع فرص  العمل وسبل العيش.

يقومون ببيع هذه المساعدات لتعظيم فوائدهم المالية وتغذية ماكينة حربهم على اليمنيين، وتسبب سلوكهم هذا في تقليص المساعدات الدولية بشكل كبير جداً خصوصاً وأن الكتلة السكانية الأكبر في البلاد تقع تحت نفوذهم، وهذا يعني أن الأمان النسبي للأسر الفقيرة في زمن الحرب يبلغ مرحة حرجة للغاية نتيجة هذه اللصوصية.

نسبة الوفيات من وباء كورونا في اليمن هي الأعلى على مستوى العالم والسبب أن هذا الوباء سيظل يفتك بالأجساد المنهكة التي لا تجد ما يكفي من الغذاء لتقوية مناعتها المفترضة، ناهيك عن الأدوية والمتطلبات النظيفة من مياه بالإضافة إلى الخدمات الضرورية كالكهرباء..

فهل يكون كورنا هو الضربة القاضية التي  ستقسط الجماعات المسلحة المتمردة والانقلابية من حصونها التي صممت من قبل أكثر الحلفاء غدراً وخبثاً ونذالة في تاريخ الشعوب؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى