“نقطة التوازان” الدولية في الحديدة؟!

 محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: نوفمبر 20, 2018

  تتصارع وجهات نظر كثيرة داخل صوالين السياسة والدبلوماسية في أروقة المجتمع الدولي، حول مصير الحرب المندلعة في اليمن منذ أربع سنوات، وهي الحرب التي تدور في حلقة مفرغة من السلام، ومجبرة على التوهان في نقاط محددة، ولم تصل بعد إلى حسم واضح لخياري السلام أو الحرب.

  بالنسبة لمراكز البحوث الأمريكية والأوربية، فإن النقاش محتدم بين باحثيها حول ما إذا وصلت حرب اليمن إلى طريق مسدود من الناحية العسكرية، أم أن آفاق الحلول لا يزال ممكنا، فالضغوط الأمريكية والبريطانية لجمع الأطراف نحو طاولة المفاوضات في السويد، نهاية الشهر الحالي، تجعل مؤيدي رؤية انتصار السلام، يراهنون على نجاح معقول للأمم المتحدة؛ هذه المرة، في الخروج بتسوية معقولة ترضي جميع الأطراف، التي تخوض حاليا معارك وجود في مدينة الحديدة.

 لكن هذا الأمل بحلول تسوية سلام؛ أو هدنة سلام، إن شئنا الحديث بدقة، لا يبدو متاحا، في ظل معطيات ميدانية وسياسية، تؤكد أن قبول الأطراف بحضور المفاوضات، ليس سوى مناورة لكسب فرص عسكرية في شوارع الحديدة المكتظة بالبارود، ولذا فإن فريقا كبيرا من باحثي المراكز الدولية يرون أن طرق السلام مسدودة الآن، لكن هل انسداد طريق السلام يعني أن الحرب ستسير باتجاه حسم نهائي لطرف على طرف؟

 تسيطر مليشيا الحوثي؛ والتي يرد وصفها في تحليلات الباحثين الغربيين بـ”الثوار”، على ميناء الحديدة، ومعظم مناطق شمال الشمال، وبعد خسارتها لنصف الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، ولإدراكها بأن قوات الجيش المدعومة من السعودية، مرابطة على حدود صعدة، والتي استطاعت اختراق مدينة الملاحيظ، ومديرية كتاف، بالإضافة إلى حصار شديد من الجوف، حيث ترابط القوات الحكومية في مديرية المتون.

يحاول مايكل نايتس، الإجابة عن التساؤل المؤرق في الدول الغربية عن حرب اليمن، هل وصلت حرب اليمن حقا إلى طريق مسدود؟  لكنه لا يصل إلى جواب نهائي، فهو يعتقد بأن قوات الحوثي، تراجعت إلى حد كبير، لكن دفاعها عن الحديدة ومينائها، سيكون قويا، ويبنى مايكل نظرته هذه، إلى أن خسارة الحديدة ستحرم الحوثي من المنفذ البحري الأخير الذي يمدهم بالأسلحة الحديثة، خصوصا منها “صواريخ بالسيتة متوسطة المدى، إيرانية الصنع من طراز قيام-1، القادرة على استهداف الرياض، بالإضافة إلى التدريب من إيران وحزب الله”.

 لكن هذا الدفاع الحوثي المستميت عن الحديدة لا يعني عدم احتمال سقوط المدينة بيد التحالف، فالرؤية التحليلية التي تبناها مايكل، ونشرت في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، تؤكد على أن التحالف الذي يفوق قوات الحوثي عددا وتسليحا، قد يحقق نصرا داخل المدينة، وربما تساعده إمكانية تغيير بعض المجندين في صفوف الحوثي ولاءها، لكن السؤال المعني بالإجابة الآن، هل تحرير الحديدة، والذي بات قريبا، سيعني نهاية الحرب؟

المعطيات الجغرافية للمواجهات بين التحالف والحوثي لا تدل على ذلك، وربما هذا ما تريده القوى الدولية، السماح للتحالف بتحقيق انتصار على الحوثي، في حال فشل الجهود الأممية بإخضاعه للسلام، فتحرير الحديدة قد يساهم، وفق رؤية مايكل، إلى وصول الجميع إلى نقطة توازن، لأن تحرير الحديدة لا يعني فقدان الحوثي لكل مصادر قوته، فهو سيحتفظ بالقدرة على الدفاع عن المرتفعات الشمالية وصنعاء.

 “نقطة التوازن”، التي يحرص المجتمع الدولي على الحفاظ عليها بين الشرعية والتحالف وبين مليشيا الحوثي، هي التي ما تزال عائقا، بتقديري، في حسم حرب اليمن، فواشنطن؛ كما هي لندن، تحرص على عدم تحقيق إنجاز نهائي للحرب لصالح طرف، واشنطن تريد هزيمة الحوثي لكن على الطريقة الأمريكية، لكن الرياض، التي تريد عدم تكرار تجربة حزب الله اللبناني على حدودها، متمسكة؛ فيما يبدو، بنظرية “النفس الطويل” في الحرب، وهي تريد استمرار استنزاف مليشيا الحوثي، وتحقيق انتصار عسكري في الحديدة، سيتيح لها استنزاف الحوثي في صعدة المحاصرة من ثلاث اتجاهات.

  بعيدا عن الكلفة الإنسانية الكبيرة  التي سيدفعها المدنيون، نتيجة طول الحرب، فإن كل المؤشرات تشير إلى أن حرب اليمن ستطول، وهذا يعود في أغلبه؛ بتقديري، إلى السياسة السعودية التي تريد تحقيق نصر على مليشيا الحوثي بشروطها الصعبة، التي تضمن إحداث تغيرات في مستقبل اليمن الجغرافي، بما يضمن فرض وصايتها المستقبلية عليه، ولذا فإن خيار “النفس الطويل”  لا يزال هو المتحكم بطبيعة سير الحرب في اليمن، خصوصا وأن الرياض تدرك أنه لا خيار للحوثي، بالنسبة للحديدة سوى الانسحاب، برغبته أو بالقوة العسكرية، لكن السؤال الأهم هل ستجرؤ السعودية على تجاوز خط “نقطة التوزان” التي تضعها واشنطن ولندن، لواقع ما بعد تحرير مدينة الحديدة..؟!

 الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.