موقع فرنسي: “القات” في اليمن يتحدى الحرب و”كورونا”

قال موقع “أوريان 21” الفرنسي إن نبتة القات في اليمن تشكل تحدياً كبيراً، وذكر أن القات الذي يتناوله يومياً نسبة كبيرة جدا من اليمنيين، اكتسبت أبعاداً جديدة في زمن الحرب وجائحة كورونا “كوفيد-19”.

وأضاف الموقع في تحليل له، أن الحرب في اليمن احتلت موقع الصدارة في المشهد وتُشكل صورة البلاد، في المقابل جرى تجاهل الرهانات المرتبطة بسوق القات إلى حد كبير.

واستغرب الموقع ثبات نشاط القات؛ مقارنة بالأنشطة الأخرى، بل إن الحرب قد زادت من استهلاكه وذلك لمواجهة حالات الملل والاكتئاب بين اليمنيين الذين يتعرضون للمعاناة بسبب العنف.

وأشار الموقع إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدّر في عام 2015 أن تكلفة شراء القات عند اليمنيين تمثل في المتوسط 10% من ميزانية الأسرة.

واستدرك بأن الواقع أبعد من ذلك بكثير بالنسبة لعدد من كبار المستهلكين، حيث يفرض توريد القات للمدن تدفقات مالية بشكل يومي، ويولد ضرائب تستفيد منها مختلف السلطات، وتغذي بصورة مباشرة اقتصاد الحرب.

كما وجد القات وظائف جديدة في سياق الصراع، خاصة بالنسبة للمقاتلين، ولهذا السبب، لم تقرر أي مجموعة قتالية حظره، حيث إنهم يحصلون من تجارته على جزء من دخلهم.

تبقى الحقيقة أن عزلة البلاد بسبب الحرب أخرت انتشار الجائحة، فهذا العزل جعل بعض الناس يشعرون أنهم في الحجر الصحي منذ أكثر من خمس سنوات، ولكن مع اكتشاف عشرات الحالات؛ لم يحل ذلك دون تأثير الجائحة على “القات” الذي سرعان ما تمت الإشارة إليه كعامل خطر.

وحذر الموقع من انتشار مرعب للفيروس في اليمن؛ في ظل الهشاشة الشديدة للنظام الصحي بسبب الحرب منذ خمس سنوات، كما حذرت الأمم المتحدة من احتمالية انتشار الفيروس دون المقدرة على اكتشافه.

واعتبر الموقع أن تجارة القات تعد أخطر تجارة في زمن الجائحة، وفي هذا السياق، صنف صناع القرار القات بشكل سريع على أنه عامل كامن لانتشار الفيروس، وقد ظلت تجارته واحدة من التدفقات القليلة التي صمدت أمام الحرب، فمن الحقل إلى المقيل حيث يتم استهلاكه، تعبر الجبهات يوميا عربات الشحن المسؤولة عن نقله.

وأشار الموقع إلى أن هناك نظام تواصل عن قرب –يؤدي لانتشار الوباء– بين السائقين والمزارعين والتجار والمستهلكين، وفي هذا النظام يتم انتقال الريالات و”كورونا” من المدن إلى الأرياف، ومن منطقة إلى أخرى.

وهناك أمثلة أخرى تؤكد على قلة الاهتمام من قبل التجار ومستهلكي القات، حيث قامت عدة وسائل إعلام محلية ببث تقارير عن ممارسات هذه الأسواق خلال زمن “كورونا” . في بداية أبريل، انتشر مقطع فيديو قصير لأحد الهواة لسوق مزدحمة شمال عدن بمثابة نذير على الخطر الذي تشكله تجارة نبتة القات على المجتمع خلال زمن الجائحة، حيث يتزاحم العشرات من البائعين والمستهلكين حول الطاولات، يقومون بممارسة عملية البيع والشراء، متجاهلين الهشاشة الشديدة لمجتمعهم في مواجهة الفيروس، والمقالات العديدة التي ذكرتها الصحافة اليمنية على وجه التحديد حول دور القات في انتشاره.

لم يخل الفيديو الذي تم تصويره في سوق في منطقة في الجنوب –حيث تنتشر شعبية الحركة الانفصالية– من السخرية. حيث يُنظر إلى القات بصورة متناقضة: فهو يُستهلك على نطاق واسع من قبل السكان والنخب في جنوب اليمن، في المقابل يُنظر إليه عمومًا على أنه منتج مستورد من الشمال.

خلف رهان القات في زمن كورونا، تختفي أسئلة سياسية ملحة. كانت السلطات المحلية في المحافظات الجنوبية سريعة في إظهار استعدادها، وإنشاء لجان لمكافحة الفيروس وحملات توعية . في 24 مارس 2020، أعلن محافظ حضرموت حظر القات في الأراضي الشاسعة الواقعة تحت سلطته. وفي نفس اليوم، تم اعتماد قرار مطابق في محافظة المهرة.

ونوه الموقع إلى أنه رغم إعلان المجلس الانتقالي المطالب بالانفصال، حكم الجنوب ذاتياً؛ إلا أنه في حال تحقيق مبتغاه سيواجه مشكلة القات، الذي يتم استيراده من المحافظات الشمالية، ويدمن تناوله غالبية أبناء الحافظات الجنوبية.

ويرى الموقع أن هذا ليس مستحيلاً من الناحية العملية، مذكِّراً بفرض الرئيس “عبد الفتاح إسماعيل” زعيم جنوب اليمن في فترة السبعينات؛  إجراءات لحظر القات، وواجه تظاهرات المنتجين والمستهلكين الذين هتفوا “يا فتاح يا كهنوت، القات يبقى وأنت تموت”، ومع انتشار الفيروس؛ كرر التاريخ نفسه بطريقة أو بأخرى.

وأشار إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي (المسيطر على عدن) أعلن تأييده في البداية لقرار حكومة هادي بمنع دخول القات إلى عدن؛ لكنه رفضه في وقت لاحق. وبالتالي تمكنت هذه الممارسة من أن تستأنف مع تشجيع البائعين على ارتداء الأقنعة والقفازات.

الحوثيون أيضاً اتخذوا قرارات تنظيمية، بإغلاق أسواق القات في المناطق التي يسيطرون عليها. ولكن مثلما هو الحال في أي مكان آخر، لم يمنع هذا الإغلاق العديد من الأسواق التي تعمل بشكل متخفي من البقاء، ولم يذهب هذا أبعد من كونه واجهة شكلية.

إن انهيار أسواق القات سيكون مكلفًا للغاية من الناحية الاقتصادية في الوقت الذي يعاني فيه السكان من الفقر الشديد، فأسواق القات توفر دخلًا للمزارعين والناقلين والبائعين الذين يعملون لحسابهم الخاص.

وخلص الموقع إلى أن حل معضلة القات تزداد صعوبة؛ بسبب الرهانات المتعلقة بالسياسة والهوية والصحة، كما أن الحظر التام يبدو مستحيلاً حتى في زمن الحرب.

وبالنسبة للبعض، هذه الممارسة هي بلا شك آخر ممارسة يتخلى عنها اليمنيون في مواجهة الجائحة أو الحرب. وكصدى لشعارات السبعينيات وبحس السخرية الذاتية المعتاد لديهم، لا عجب أن يردد اليمنيون اليوم: “يا كورونا يا كهنوت، القات يبقى والشعب يموت”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى