مهلاً أيها الحلفاء.. إيران هي التي تتقدم في نهم

ياسين التميمي

ليلة عصيبة عاشها اليمنيون القلقون على مستقبل بلدهم، إثر الأنباء التي تحدثت عن تراجع لقوات الجيش الوطني في جبهة نهم. ليس هناك ما يحمل أيا منا على الشك بإرادة وشجاعة وبسالة هذا الجيش وإيمانه المطلق بقضيته الوطنية العادلة.

لكن الذي حدث هو أن الميلشيا الحوثية المدعومة من إيران، كانت تعد العدة طيلة الفترة الماضية لمهاجمة نهم وفرض ما يسمى بالسيطرة الاستراتيجية على أهم مدينة تابعة للسلطة الشرعية على مستوى البلاد، وأعني بها مدينة مأرب، بينما كان مقاتلونا يكافحون من أجل الحصول على مصدر دخل لأطفالهم بعد أن منعت عنهم الرواتب والمؤمن والذخائر.

في مدينة مأرب تجمع أكثر من مليون إنسان من أبناء سبأ جميعهم لا يتوفر له خيار آخر سوى القتال حتى الموت دفاعاً عن حريته وكرامته، بعد أن اضطرته الترتيبات الغادرة للقادة السياسيين والنخب والدول المجاورة إلى أن يتفرق في الأرض قبل أن يتجمع في أرض سبأ، وذلك في نظري هو الإعجاز الذي نشهده في هذا الزمن.

مأرب الأرض الطاردة للسكان، التي تسبب تهدم سدها في التاريخ القديم إلى هجرة الآلاف من سكانها المترفين إلى أصقاع العرض لتنشأ ما تسمى اليوم بالظاهرة اليمانية، وتمثلها الشبكة العنقودية من العشائر والقبائل في الجزيرة العربية والشام والعراق وشمال إفريقيا، مارب اليوم تجمع ابناءها تحتضنهم تعطيهم في فرصة أخرى لبناء حضارتهم واستعادة مجدهم.

يمثل الحوثي مشروعاً إيرانياً خالصاً من الناحية السياسية والاستراتيجية والعقائدية، كل شيء في هذه الحركة الانقلابية الطائفية مرتهنٌ بشكل كامل لإيران، ولهذا سيكون من الصعب جداً على أكبر تجمع للأحرار في اليمن أن ينصاع مرة أخرى لإرادة هذه العصابة، فخيار هذا التجمع المليوني أن يواجه ويقاتل حتى الذخيرة الأخيرة وحتى الخنجر الأخير.

الذي يحدث هو أن إيران السيئة، تتصرف بنبل مع حلفائها، كل جهدها مسخر للتخطيط من أجل حيازة أرض جديدة وسلاح جديد ونفوذ جديد. بينما مضت السعودية – بمشورة الرجل الطيب في أبوظبي- في تفكير بالطريقة التي تتخلص عبرها من حليفها الأقوى في الساحة اليمنية وهو التجمع اليمني للإصلاح، فهو بنظرهم أحد الأذرعة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

استقر قرارهم على ما يبدو بأن توكل مهمة مواصلة القتال ضد الحوثيين إلى القيادات التي تركها صالح بعد أن قتله الحوثيون في خاتمة تحالف كان هدفه الأكبر هو النيل من الإصلاح وأنصاره في الساحة اليمنية. تعرى صالح بشكل كامل للحوثيين وسلمهم كل ما يملك، فلم يؤثر على السعودية ولم يقضي على الإصلاح.

والسعودية اليوم وهي ترى إيران تحقق الانتصارات في نهم، إلا أنها لا تزال تعتقد أنها تقترب شيئاً فشيئاً من هدفها في تحييد الإصلاح وإخراج الإخوان المسلمين من المعادلة، وكأن الإخوان هؤلاء قوم جاؤوا من بلاد ما وراء النهر، وليسوا الفئة السياسية التي ظلت القوة الناعمة الأهم والأكبر بيد السعودية والتي وفرت لها المشروعية في الداخل السعودي وخارجه.

سنفترض حسن النوايا فيما تفعله السعودية اليوم في نهم وأنها بالفعل جادة في إلحاق الهزيمة بالحوثيين، لكن لماذا تركت هذه الجبهة بلا مؤن ولا إمدادات؟ ولماذا تركت الجنود بلا مرتبات، ولماذا واصل سفهاؤها النيل من هذا الجبهة ومقاتليها ولم يتوقفوا أبداً.

نعم الطيران تدخل وقدم إسناداً للجيش لكن في الوقت الضائع، بعد أن تُركت الفرصة لإيران لكي تغذي خطابها السياسي والإعلامي بإنجازات تستحق الإشادة والفخر. على السعودية أن تدرك أن الذي يحقق الانتصارات في جبهات القتال على الساحة اليمنية هو إيران وليس أي طرف آخر.

وعندما تجد السعودية نفسها مضطرة لمغادرة مأرب، فستكون هي الطرف المهزوم وليس المقاتلين المغدورين، الذين قدموا كل ما لديهم ولم يبخلوا بأرواحهم.
ليس لدي أدنى شك في أن الرجال في مارب سيدفنون المشروع الحوثي، لكن لست واثقاً من ان حليفتهم الكبيرة جداً سوف تتفهم طبيعة الأخطار المحدقة بأمتنا، وأنها بالفعل بحاجة إلى عقل سياسي وازن يوجه الإمكانيات الهائلة لبلاد الحرمين، الوجهة التي تُبقي لها مكانتها وللأمة كرامتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى