مليشيا الحوثي والسعودية.. الورطة المشتركة!

محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يناير 23, 2019

 في مساحة محيطها (35) كيلو متر، تقاتل مليشيا الحوثي بكل ما أوتيت من قوة، للبقاء في الحديدة، عبر حماية الجبهات الدفاعية بالمزيد من التحصينات العسكرية والخنادق، مستغلة فترة الهدنة الأممية التي مر عليها أكثر من شهر، وتنتشر الدفاعات الحوثية بين المدينة والمطار وأحياء وسط المدينة، وبالقرب من الضواحي الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها قوات الحكومة والتحالف، وتصر مليشيا الحوثي على استخدام استراتيجية الدفاعات المسلحة، ليس فقط للبقاء أطول في الحديدة، فتلك الدفاعات تتيح للحوثي الاحتماء بالأحياء السكنية كدروع حماية، بل أيضا استعدادا للسيطرة على شوارع ومداخل المدينة الشمالية، في حال خروج قوات التحالف والحكومة منها، تنفيذا لخطة إعادة الانتشار.

 في موازاة هذه الاستراتيجية الحربية للحوثي ضد الحكومة والتحالف، وفي الوقت الذي يتحرك في مفاوضات علنية مع الأمم المتحدة لتنفيذ اتفاق ستوكهولم، يخوض الحوثي؛ بنصائح إيرانية، محادثات سرية غير مباشرة مع السعودية، حول إمكانية فتح قناة حوار مباشرة معها، ومع أن الحوثي متهم بعرقلة المحادثات الخاصة بإعادة انتشار قوات مشتركة بين الشرعية والانقلاب، في موانئ الحديدة والمدينة، إلا أن مصادر أوربية متعددة، أكدت وجود نشاط لتحركات خلفية سرية، بهدف فتح قناة حوار بين الرياض والحوثي.

 الأمريكيون والأوربيون المؤيدون لفكرة الحوار الحوثي السعودي، يبنون فرضيتهم على أساس أن ما حدث بين الحكومة والحوثي في السويد، وما تبعه من مشاورات في الحديدة وملف المعتقلين، في حقيقته ليست محادثات سلام بل مشاورات بناء ثقة، ويمارسون في هذا الإطار المعقد ضغوطات على الرياض وإيران، لفتح قناة حوار خلفية بين الحوثي والمملكة.

 عدم حسم السعودية معركتها مع الحوثي عسكريا، سواء في الحديدة أو صنعاء أو حتى صعدة، أتاح للمجموعات الدولية التي ترى في حرب اليمن عبثا عسكريا، الضغط الكبير على السعودية والامارات، لتقديم تنازلات لخوض حوار مباشر مع الحوثي، خصوصا فيما يتعلق بأمن الحدود المشتركة بين اليمن والسعودية، فضلا عن إيقاف تهديد الصواريخ الحوثية على الأمن القومي للرياض.

 بالنسبة لخصوم إيران فإن هذا الحوار المباشر بين الرياض وصنعاء، يخدم بطريقة دبلوماسية الهدف الرئيسي المشترك بين واشنطن والرياض، والمتمثل بوضع حد للنفوذ الإيراني في اليمن، عبر تحييد المليشيا التابعة لها عن تبعية طهران؛ ولو في الملف الحدودي، وهذا يعمل أيضا، وفق مسؤولين أمريكيين، على تمهيد الطريق نحو تسوية سياسية شاملة للسلام في اليمن، بمعنى آخر، فإن الحوار الثنائي بين الحوثي والرياض، يختصر الطريق الطويل الذي يخوضه المبعوث الاممي مارتن غريفيث بين الشرعية والحوثي.

 تبدو السعودية مترددة في خوض مغامرة الحوار مع الحوثي، فهي قد خاضت العام الماضي حوار سريا من هذا النوع، ولم يفض الى نتائج حقيقية، رغم أنه أثمر انفراجا نسبيا وآنيا في الإفراج عن معتقلين سعوديين لدى الحوثي، لكنه لم يعمل على اخراج الحوثي من عباءة إيران، ولم يستطع حتى إيقاف الهجمات الصاروخية على المدن السعودية، إلا أن السعودية أيضا تشعر أن طول الحرب في اليمن أضحت ثقيلة التكلفة والسمعة عليها، وهناك دوائر داخل السعودية تعتقد أن التقليل من طموحات إيران وتهديد المملكة، يمر عبر محادثات جادة ومباشرة مع الحوثي.

بالنسبة للحوثي فإن الفكاك التام عن إيران لا يبدو ممكنا؛ الآن على الأقل، فطهران هي الخلفية السياسية والدبلوماسية واللوجستية، التي جعلت الحوثي؛ حتى اللحظة، رقما صعبا في المداولات السياسية العالمية، فضلا عن أن الحوثي لا يثق بالرياض كحليف دائم، إلا أن الحوثي يفضل التفاوض مع الرياض على التفاوض مع شرعية هادي، ولذا فإن الحوثيين مترددون في فتح قناة حوار حقيقية مع الرياض، خصوصا وأنهم يدركون أن الموافقة النهائية لطهران، التي على ما يبدو تنصح الحوثي باستخدام الحوار مع الرياض، كوسيلة دبلوماسية لكسب الوقت وتطويل الأزمة والحصول على الكثير من التنازلات.

 فيما يبدو فإن الطرفان؛ الرياض والحوثي، يشتركان في نفس المخاوف، ويعيشان ذات التردد، ويدرسان الفائدة المشتركة من التفاوض المباشر، لكن الأمر الأكيد من هذا كله، هو أن الخاسر الوحيد على المدى القصير، في حال تفعيل قناة الحوار بين الحوثي والرياض، هي الشرعية، لكن على المدى الطويل فإن الخاسر هي السعودية، التي إن دخلت في حوار حقيقي وجاد ومباشر مع مليشيا الحوثي، فهذا يعني أنها تورطت تماما، من ناحية الاعتراف الإقليمي بمليشيا خاضت ضدها حربا طويلة، وهو ما يعني اعترافا سعوديا بخطأ عاصفة الحزم، وفي نفس الوقت فإن شرعية تدخلها في اليمن ستنتهي، حيث أن وجودها في اليمن كان لحماية الشرعية وليس للاعتراف بالمليشيا المنقلبة عليها.. وفي حقيقة الأمر فإن الحوثي والسعودية في ورطة مشتركة، فيما يتعلق بالتردد المتعلق حول مساوئ وايجابيات القناة الخلفية للحوار بعيدا عن الشرعية، وإلى أن يحسم الطرفان قرار الانخراط في الحوار من عدمه، ما زالت الكرة بيد الشرعية، حيث هي المستهدفة الحقيقية مما يجري.