معركة الضالع والتأسيس للانفصال

زيد اللحجي
المجال: مقالات التاريخ: يونيو 9, 2019

تشهد محافظة الضالع اليوم قتالا عنيفا بين الحوثيين وما يسمى بالمقاومة الجنوبية، بعد أن نجح المجلس الانتقالي عبر الأحزمة الأمنية الإماراتية في إزاحة الجيش الوطني قسرا من تلك المعارك، وصل حد استهدافه من الخلف، ومن ثم انسحابه من المواجهات، لتظهر الأحزمة الأمنية وكأنها هي المدافعة دون غيرها عن أرض الجنوب، وهذا طبعا ما يريده المخرج الإماراتي الذي يسعى لتأسيس دولة جنوبية يكون له فيها حق الإمتياز الحصري الذي يمكنه من فرض الوصاية والنهب والسلب دون رادع.

ومنذ أكثر من أربع سنوات حرب بين التحالف والحوثيين؛ ظلت الضالع خارج حسابات التحالف، فموقعها الجغرافي وسط اليمن وبعدها عن البحر جعلها بمنأى عن الأطماع الإماراتية، غير أن المخطط الإماراتي قضى بضرورة استخدام قيادات ضالعية لتحقيق أطماعه في الجنوب، لمعرفته بما تكنه تلك القيادات هي الأخرى من أطماع في حكم الجنوب، وبأي ثمن كان، وهو ما تلاقت لأجله الأطماع الإماراتية والقيادات الضالعية. لكن أيا من هذين الطرفين لم يضع ضمن حساباته تحرير الضالع وحمايتها من المد الحوثي.

فقد هرولت القيادات الضالعية وعلى رأسهم عيدروس الزبيد رئيس ما يسمى بالمجلس الانتقالي في خدمة الإماراتيين، وتنفيذ أجنداتهم، وفي الوقت نفسه عملوا على مجابهة كل المكونات التي قد تعيق وصولهم إلى السلطة، وعلى رأسهم الحكومة الشرعية والأحزاب والتنظيمات والمكونات الجنوبية، وصولا إلى مطاردة أبناء المحافظات الشمالية البسطاء الذين يعملون في أعمال حرة، فالقصد عند تلك القيادات إختلاق أعداء وهميين تظهرهم بالمكون الأقوى والأقدر على حكم البلاد مستقبلا، الأمر الذي جعل الإمارات تتحمس بشدة لدعم هذه القيادات، التي رأت فيها خير من يحقق لها أطماعها في اليمن.

وأمام هذا التوجه لم يلتفت أي من الطامعين؛ الإماراتيين أو القيادات الضالعية؛ لما يحدث في الضالع من جرائم يرتكبها الحوثيون، بل على العكس من ذلك؛ فقد عملت الإمارات على التسهيل للحوثيين بالتمدد في المحافظة دون مقاومة تذكر، كما أسهمت بعض القيادات الضالعية، ومن ذات المكون الذي يعمل مع الإمارات، على خوض المعارك في الضالع في صفوف الحوثيين، وإحراز تقدمات في عمق الضالع.

ويعد أبناء الضالع من أهم القوى المؤثرة في الجنوب منذ ثمانينات القرن الماضي، وقياداتهم يعدون الأبرز من بين القيادات الجنوبية الطامعة في السلطة، واللاهثة بقوة لحكم الجنوب، وهو ما جعل تلك القيادات الضالعية دائما ما تسلك طرقا دون النظر إلى نتائجها، فالمهم عندهم هو تحقيق غاياتهم، ولو أدى ذلك إلى تدمير الوطن، وإزهاق أرواح الملايين من الشعب، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، وهو ما رأيناه جليا في أحداث يناير المشئومة في ثمانينيات القرن الماضي، وكيف سارعت تلك القيادات للرمي بنفسها في أحضان طهران وحزب الله والحوثيين، ثم كيف عادت وسارعت في الارتماء في أحضان الإمارات بمجرد وصولها إلى عدن لتحقيق ذات المطمع، وهو ما نراه اليوم واضحا في المعارك المحتدمة في الضالع.

ومع احتدام المعارك في الضالع اليوم إلا أن المتابع لما يجري هناك يجد أن أسلوب تبادل الأدوار هو الطاغي على صيرورة المعارك، خاصة وقد سمعنا كثيرا من الوطنين؛ قبل انطلاق معركة الضالع بأسابيع؛ يحذرون من هذه المعركة التي تدار بين أطراف ضالعية، وبإشراف حوثي إماراتي، ليتسنى لهذه الأطراف تمرير صفقات متبادلة بين الرعاة الأصليين للمعارك (الحوثيين والإماراتيين) تكون خاتمتها تقاسم البلاد، وتحقيق الانفصال، وهو ما يجري بوضوح اليوم.

وفي سبيل تحقيق هذا المخطط يرتكب الطرفان الجرائم بحق المواطنين الأبرياء، فبينما يستهدف الحوثيون منازل وقرى المواطنين، وينفذون عمليات اختطاف، نرى قوات الحزام الأمني الإماراتي ينفذون ذات الجرائم، سواء بسواء، وهو ما بدا واضحا الجمعة الماضية من استهداف جامع مكتظ بالمصلين، والإقدام على قتل ستة من المصلين، وجرح واختطاف آخرين، دون رادع ديني ولا أخلاقي، فالمخطط واحد، والأداة المنفذة واحدة، والطرفان الحوثي والإماراتي يؤسسان لوضع اللمسات الأخيرة للحد الانفصالي بين الشمال والجنوب من خلال معركة الضالع.

على أن الجريمة الأفضع ليس في تبادل الأدوار الضالعية، ولكن الجريمة تكمن في الصمت المخزي من قبل الرئيس والحكومة، اللذين سلما بما يجري، وباتا يرقبان بذلّ المخطط الإماراتي دون تحريك ساكن، وكأن المواطنين الأبرياء الذين يسقطون كل يوم بالمئات لايعنيهم في شيء، وكل ما يعنيهم هو البقاء في مناصبهم واستلام الدولارات، وليموت الشعب بأجمعه في سبيل الحفاظ على ذلك!.