معركة الحديدة وما بعدها

اليمن نت -ياسين التميمي
المجال: مقالات التاريخ: نوفمبر 9, 2018

المجتمع الدولي يفسح الطريق للتحالف لاستكمال مهمة إستعادة الحديدة من ميلشيا الحوثي الانقلابية، فالمسألة كما هو واضح لم تعد تندرج في إطار المناورات ذات الطابع العسكري والهادفة إلى الضغط على الحوثيين للذهاب إلى المشاورات، بقدر ما تتبلور رغبة قوية في إخراج الرياض من مأزقها الحالي على خلفية مقتل جمال خاشقجي عبر التأمين التغطية لتحقيق انتصارات جوهرية في مدينة بقيت تحت أنظار المجتمع الدولي طيلة الفترة الماضية.

لم يكن تحالف الرياض ابوظبي ومعهم السلطة الشرعية ومعسكرها بحاجة إلى استجداء المجتمع الدولي لتأمين هذا الغطاء، لولا أن هذا التحالف هو من قرر أن تجري الحرب بالتقسيط المريح وأن تكون مزدوجة أي أنها تقضي في طريقها على الحلفاء الموثوقين في الميدان، قبل الأعداء الذين يقفون الجبهة المقابلة من أرض المعركة.

في الحقيقة ليس الحوثيون وحدهم من يتجنب الذهاب إلى المشاوارت قد يكون هذا خيارا اللحظة الحاسمة، بالنسبة لهم وبالنسبة للتحالف الذي يبدو أن طوى في طريق تقدمه نحو الحديدة بالتحديد صفحات عديدة مما كتب في سفر المقترحات الأممي وقراراتها واملاءاتها بشأن اليمن.

لا المرجعيات ولا الشرعية مهمة بالنسبة لتحالف الرياض أوبوظبي، تماماً كما هو حال الحوثيين، الذين دخلوا على خطة الأزمة في اليمن بهدف حرفها باتجاه مختلف منذ اللحظة الأولى، وكان ذلك بدعم متعدد الأطراف، ولا يمكن وصف إيران إلا أنها أحد هذه الأطراف التي كان من بينها أيضاً الإمارات والسعودية وامريكا وبريطانيا ودول غربية رئيسة.

يخوض الحوثيون في الحديدة معركة حقيقية، الخسارة هي نهايتها الطبيعية، في ظل القوة النارية الهائلة والتفوق الجوي، وفقدان الحاضنة الاجتماعية، وطبيعة الأرض المكشوفة، التي تقلل إلى حد كبير من إمكانية توظيف البيئة السكانية لتعقيد المعركة أو تأخيرها.

لقد حصدت الحرب أخطر الذين أعدتهم الميشليا لمعركة كهذه حيث تتقدم العقيدة القتالية والتصديق المطلق لخرافات الحق الإلهي والتفوق العرقي، عما سواها من اعتبارات مادية وموضوعية، ناهيك عن الانحدار الخطير في مؤشر التفوق الذي لازم مسيرة ا لميلشيا منذ خروجها من صعدة، حيث كانت الانتصارات المتلاحقة تقدم الأدلة الكافية التي حملت اليمنيين على الاعقتاد بأن أفاعي كثيرة قد سخرت لهذه الميلشيا إلى حد باتت خيارهم وقدرهم وليس أمامهم سوى القبول بها كأمر واقع.

لا يجب أن يتوهم أي مراقب أن ما يجري في الحديدة مجرد تكتيك أو مناورة ، إنها حرب هدفها النهائي استعادة الحديدة، وسوف يتحقق ذلك قريباً جداً، فالقوات تشتبك في عمق المدينة ولم يعد هناك مجال للتراجع بالنسبة للقوات المهاجمة.

لكن المشكلة لا تكمن في هذه الحرب بل في النتائج المترتبة عليها، والأمر هنا لا يتعلق بالتداعيات الكارثية الصحية والإنسانية، فهذه متلازمة أي حرب، بل في المعطيات التي سيفرضها التحالف في الحديدة، إلى حد يمكن معه تصور أنها يمكن أن تتحول إلى مأرب غربية لأنصار صالح ، أو تجمع غير متجانس لقوات عسكرية تتحكم الإمارات والتحالف بكل حركاتها وسكناتها ومقدراتها، وتوفرها لخوض معركة تقرير مصير اليمن.

لا أعتقد مطلقاً أن السلطة الشرعية يمكنها أن تضع يدها على الساحل الغربي في المدى المنظور وتدعي أنها أضافت عمقاً جغرافيا لسيادتها التي لا أثرها على أرض الواقع إلا في محافظة مأرب وأجزاء من محافظة تعز.

لذا فإن أسوا مايمكن أن يلازم معركة كهذه من توقعات أنها ستعيد إنتاج عدن جديدة، حيث يجري إيقاف عجلة الحياة، وتسود الفوضى والاضطرابات والاغتيالات وتصفية الحسابات، في إطار ما بات يعرف بالإدارة الأمنية القذرة للمناطق المحررة من قبل الإمارات والتحالف.

لا يوجد أحد تقريباً يأمل في بقاء الحديدة على ما هي عليه، فالحوثيون هم الشر المستطير، لذا الجميع يدعم هذه المعركة التي ستخلص الحديدة من سطوة الحوثيين ونفوذهم، والجميع يعلم أيضاً أن ترسيخ نفوذ الامارات في هذه المدينة ليس الخيار الذي يتمناه اليمنيون في ظل بقاء ابوظبي على حالها من تبني الخيارات الصفرية مع أكثر الأطراف اليمنية انفتاحاً على التحالف نفسه وحماساً لاستعادة السلام في اليمن ضمن دولة قوية ديمقراطية ومتعددة الأقاليم.