معركة الحديدة بين تحفز الجيش للحسم والتحذيرات الأممية

زيد اللحجي
المجال: مقالات التاريخ: June 11, 2018

تتزايد الحشود صوب مدينة الحديدة مؤخرا، خاصة بعد فشل المبعوث الأممي في انتزاع أي تنازلات حوثية أثناء زيارته لصنعاء، فالجيش الوطني يعلن استعداد قواته اقتحام المدينة وتحريرها من أيدي الحوثيين، بينما تستمر المليشيات في حشد المزيد من قياداتها ومقاتليها من جميع المحافظات والقبائل، والدفع بهم نحو المدينة للدفاع عنها، وحماية مينائها من السقوط بيد الشرعية والتحالف.

وبين هذه الحشود والحشود المضادة ترتفع أصوات دولية وأممية محذرة من مغبة معركة الحديدة التي ستقود لكوارث إنسانية محققة، ليس في أوساط سكان المدينة وحسب وإنما في أوساط المحافظات والمدن الواقعة تحت سلطة الانقلابيين.

فالحديدة التي تعد ثاني أكبر ميناء في اليمن باتت هي الرئة الوحيدة التي يتنفس بها سكان العديد من المحافظات، حيث تصلهم عبرها أغلب المواد الغذائة، سواء على المستوى الإغاثي الإنساني، أو على مستوى السلع والمواد التجارية.

لكنها للأسف هي أيضا الشريان الأكبر والمنفذ الأكثر انفتاحا للمليشيات التي تستقدم عبره عتادها العسكري؛ سواء من إيران وحزب الله أو من الدول الغربية التي تؤجج الصراع من وراء جدر، ضمانا لاستمرار المعارك التي تمكنها من بيع أسلحتها المنتهية الصلاحية لأطراف النزاع.

وعلى الرغم من التحذيرات الأممية والدولية إلا أن معركة الحديدة آخذة في الاقتراب شيئا فشيئا، وأن الجيش الوطني بات قاب قوسين أودنى من الحسم، خاصة مع اقترابه من المطار، وتتالي انتصاراته في بعض المديريات والقرى المتناثرة شرقي الساحل الغربي، كبيت الفقيه والتحيتا والحسينية وغيرها، وتهديداته بإشعال الانتفاضة داخل مدينة الحديدة والمدن التابعة لها.

ومع زخم الانتصارات فإن الأصوات الدولية والأممية المنادية بوقف معركة الحديدة لم تعد تقريبا مسموعة لدى قيادات الجيش كما كانت في السابق، فقد باتت مفضوحة لديهم، وأصبح التحالف والشرعية اليوم أكثر جرأة على تفنيد تلك الادعاءات التي تتخذ من الجانب الإنساني ذريعة لإطالة الحرب، خاصة وأن هكذا مطالبات أممية ودولية دائما ما تأتي لإنقاذ المليشيات من الانهيار والسقوط عقب كل معركة تتكبد فيها المليشيات خسائر في الأرواح والعتاد.

 فهاهي اليوم بعد أن كانت المليشيات تتباهى بقبضتها الحديدية على أبناء المحافظات الخاضعة لسلطتها؛ تبدي تخوفها من انتفاضة تهامية تقتلع وجودهم من الحديدة، وغضب شعبي عارم يتنامى في جميع المحافظات، الأمر الذي أصبحت فيه المليشيات أكثر انكسارا وأكبر انحطاطا من ذي قبل، ما جعل الجيش الوطني يهدد بتحريك الركود الشعبي والقبلي الناقم من المليشيات.

وتشير التطورات الميدانية المتسارعة إلى تهاو غير مسبوق للمليشيات على المستوى العسكري، وعلى المستوى الإنساني أيضا، فالخسائر التي تتكبدها في المعارك انعكست سلبا على تعاملاتها مع المواطنيين، حيث لجأوا إلى الاعتقالات العشوائية في كل المحافظات، وإلقاء الاتهامات الجزافية بالخيانة على كل من لم يقف معهم، ولعل ما ينشرونه في وسائل إعلامهم من أخبار كاذبة عن ضبطهم لخلايا تابعة للشرعية في المدن التابعة لسلطتهم ما هي إلا محاولة بائسة لترهيب وقمع السكان، كما أنها تعكس الذعر الذي وصلت إليه المليشيات من المعركة القادمة، والتي لاشك ستكون فاصلة بكل المقاييس.

والأنباء الراشخة عن الدوائر الضيقة لمتخذي القرار المليشاوي تؤكد أن الجماعة اليوم عاكفة في اجتماعات سرية على تدارس أسباب الانكسارات التي واجهت قواتها، والتي تسببت في وضعهم في مأزق؛ سواء على المستوى القتالي، أو على المستوى الإداري والتنظيمي، وحتى المستوى السياسي خاصة مع إخفاقهم في المفاوضات التي قابلوا بها المبعوث الأممي مؤخرا في صنعاء.

ولعل ما زاد من مخاوف المليشيات تلك التقارير الدولية التي وصفت فيها ولأول مرة معركة الحديدة بالمعركة(الجهنمية) و (الشرسة) حسب موقع “إنترسبت” الأمريكي، بالإضافة إلى التقارير الأمريكية التي كشفت استعدادات التحالف الكبيرة لحسم المعركة من خلال تنفيذ أكبر عمليات إنزال جوي وبحري في تاريخ الشرق الأوسط خلال الثلاثين السنة الماضية.

ولكن، تبقى إرادة دول التحالف هي الحاكمة لخوض المعركة من عدمه، ومدى مقدرتها على التعامل مع الغرب سياسيا وإقناعهم بعدم التدخل لإيقاف المعركة، أما الجيش ففي تقديري هو في أتم الاستعداد إذا ما صاحبه دعم سياسي ولوجستي من التحالف.