معركة الحديدة إلى أين؟

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: سبتمبر 24, 2018

كل يوم يمر على معركة الحديدة تشتد قبضة اليمنيين على قلوبهم بانتظار النصر، ويرقبون اليوم الذي تعلن فيه الشرعية وضع يدها على المدينة والميناء، فتحرير الحديدة بالنسبة لليمنيين يعني نهاية عصر الكهنوت، وانقشاع المعاناة.

زاد من ذلك الترقب المفضي إلى أمل، تلك الرسالة التي بعثتها الإمارات لمجلس الأمن، والتي أوضحت فيها استمرارها في حسم معركة الحديدة، كونها( أي المعركة) من تجبر الحوثيين على الخضوع للمشاورات، بحسب ماتضمنته الرسالة.

وكما مثلت تلك الرسالة آمالا عريضة لدى اليمنيين، حملت أيضا كثيرا من المتابعين والمهتمين على إعادة النظر في تحليلاتهم السابقة التي كانوا قد ذهبوا فيها إلى عدم جدية التحالف السعودي الإماراتي في حسم معركة الحديدة، مثلها مثل بقية المعارك التي لايريد التحالف حسمها، خاصة وقد جاءت تلك الرسالة متزامنة مع إطلاق وزير الخارجية الأمريكي (بومبيو) شهادته أمام الكونجرس، والتي أكد فيها أن حكومتي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المحتدة تقومان بإجراءات واضحة للحد من مخاطر إلحاق الأذى بالمدنيين والبنى التحتية المدنية جراء العمليات العسكرية.

هذه الشهادة؛ في تقديري؛ كانت بمثابة الموافقة الأمريكية على حسم معركة الحديدة، كما مثلت في الوقت نفسه دعما أمريكيا صريحا للتحالف لإخراج الحوثيين من المدينة والميناء.

غير أن التحالف العربي كعادته يثبت في كل مرة أنه لايريد من المعارك التي يخوضها الحسم، بقدر مايريد إثقال كاهل اليمنيين بالمعاناة المتعاقبة، بما يمكنه من تمرير مخططاته الشيطانية بنجاح.

والسؤال متى ستحرر الحديدة وميناؤها؟

قبل أكثر من أربعة أشهر أعلنت قوات التحالف أنها سيطرت على مطار الحديدة، وأن المعركة تحولت باتجاه المدينة والميناء بعد أن سيطرت بشكل كامل على مدينة الدريهمي، ثم تفاجأنا بعدها بعودة المعارك إلى ماقبل الدريهمي، ولازالت حتى اليوم تراوح في ذات الأماكن والمواقع، إلا من بعض المناوشات الدائرة باتجاه كيلو 16، والذي تتقاطع الأنباء حوله بين سيطرة التحالف وبين سيطرة الحوثيين، الأمر الذي يجعلنا نشك من أن ثمة اتفاق خفي بين التحالف والحوثيين بأن تبقى الأمور على حالها، بين مد وجزر، وكر وفر، بما يحقق الإبادة الجماعية لا للمتحاربين؛ وإنما للشعب بأكمله، فمصلحة التحالف والحوثي تكمن في الإبادة لا التحرير.

لا نقول ذلك تجنيا على أحد، فثمة تشويش لما يجري في الواقع، فبينما يكثر التحالف من تصريحاته عن بدء معركة الحديدة، ويعلن القادة العسكريون عن إطلاق المراحل تلو المراحل في سير المعركة، وتتباهى القنوات الفضائية التابعة للتحالف بالحديث عن حجم الاستعدادات الضخمة لمعركة التحرير، إلا أننا نجد واقعا يتنافى مع هذه الاستعدادات وتلك التهديدات.

والأدهى من ذلك؛ كلما أعلن التحالف سيطرته على موقع من المواقع، أو منشأة من المنشآت، أو طريق من الطرق المؤدية إلى عمق المدينة، تطالعنا قناة المسيرة بصور مباشرة لمحمد البخيتي من تلك الأماكن، وكأننا أمام مشهد دراماتيكي لانهاية له، تسعى الأطراف المتحاربة لفرضه على الأرض، دون حساب لما يترتب على ذلك المخطط اللاأخلاقي واللاإنساني واللاديني من تبعات تلقي بظلالها على شعب بأكمله، إفقارا وتجويعا وتقتيلا.

وفي الحقيقة نحن نعي الكلفة التي ستنتج عن المعركة إذا ما انطلقت بجدية وحزم، وإذا ما أراد لها التحالف أن تصل للحسم، خاصة وأن الحوثيين قد أقاموا تحصيناتهم في الأحياء السكنية وبيوت المواطنين، ولايبالون مطلقا بالكلفة التي ستخلفها تحصيناتهم بالمواطنين.

ولكن بالتأكيد ثمة سيناريوهات يعلمها قيادات الجيش، والمشرفون على المعارك، يمكن من خلالها تخفيف كلفة الحرب، وتجنيب المواطنين الدمار، هذا إذا كان الهدف الذي يسعى التحالف لتحقيقه يكمن في إنهاء المعركة بأقل كلفة وأسرع وقت، أما إذا كان يريدها حرب دمار وإبادة بحسب مخططه المعهود فإن المعركة ستطول إلى ما لانهاية.

ومن هنا نستطيع القول أن التصريحات التي تطالعنا بها كل يوم الحكومة الشرعية، وقيادات الجيش والمتحدثين باسمه، والمحللين العسكريبن التابعين للشرعية، وإن عكست توجها رسميا، ورغبة جامحة للتحرير، إلا أنها تبقى رهينة لواقع يتحكم في مساراته التحالف الذي يمانع وبقوة عملية التحرير والحسم. وبناء عليه ستبقى معركة الحديدة تراوح في المزارع القريبة من الخط الرابط بين صنعاء والحديدة، دون تقدم نحو الميناء، مع أن للميناء عدة طرق توصل إليه، غير أن مفاتيحها مرتبطة بالقرار الإماراتي الذي لن يصدر حتى تحقق الإمارات كامل أطماعها.