“مطار عدن”.. تمييع الجريمة أخطر من ارتكابها

اليمن نت _ محمد اللطيفي

لم تمر ساعات على الهجوم الارهابي الذي طال مطار عدن، ( 30 ديسمبر 2020)، حتى أطلق المبعوث الأممي لدى اليمن، مارتن جريفيث، دعوة لاستعادة عملية السلام، بين الشرعية والحوثيين، قال حينها: إن الهجوم يمثل فرصة مهمة لاستئناف محادثات السلام. ومثلت هذه الدعوة استغراب الكثير، فلم يرى جريفيث في دماء الشهداء وآلام الضحايا سوى فرصة لاستمرار ماراثون العبث الأممي المستمر في اليمن، باسم السلام.

مصدر الاستغراب في الدعوة الأممية، ليس فقط في تزامنها مع هجوم عدن المريع، الذي خلف (27 شهيد وأكثر من 100 جريح)، بل أيضا في الاتهام الرسمي للحكومة الشرعية الذي حمل مليشيا الحوثي مسؤولية الهجوم، ما طرح تساؤلا عن كيفية طلب جريفيث من الحكومة التي تم الاعتداء عليها وقت هبوطها المطار، بمد يد السلام لجماعة متهمة بالاعتداء، الذي وصفه جريفيث بعد يومين من وقوعه بأنه “جريمة حرب”.

لقد أضحى تعريف السلام لدى المبعوث الأممي هو السلام مع جريمة الحرب نفسها، والتعامل مع تلك الجريمة كحادثة طبيعية عادية في سياق الأزمة اليمنية، فقد سبق وأن تمت مثلها العديد من الجرائم، وتم دفنها في مقبرة المباحثات الأممية.

وليست هذه أول مرة، يمارس فيها مكتب المبعوث الأممي تمييع الجرائم في اليمن، وتحويلها من جرائم حرب تستلزم التحقيق الدولي لمعرفة الجناة وتستدعي فرض العقوبات عليهم، إلى ملفات سياسية للتفاوض، لقد سعى جريفيث لمحاولة فرض طاولة مفاوضات على حساب دماء جريمة عدن، وبدت تلك المحاولة تعبيرا عن حس أممي لا مسؤول ومبالاة لا منطقية، لشخص أصبح منبوذا من قبل كل الأطراف، حتى الطرف الذي تذهب أغلب تحركات جريفيث لصالحه؛ وهو الحوثي.

وخلافا لبقية المنظمات الدولية، التي أبدت تعاطيا معقولا مع الحادثة ودعت لتحقيق محايد فيها، تحرك جريفيث لممارسة هوايته المفضلة، حيث نفذ جولة مكوكية بدأت بالرياض ثم عدن، وانتهت الجولة؛ كالعادة، بالفشل، ما أكد أن المحاولات الأممية للسلام في اليمن، تهدف لحماية الفشل في حسم أي من الحرب والسلام، لأن استمرار اليمن في هذه الحالة يخدم كل الأطراف الاقليمية (السعودية وإيران) والدولية (لندن وواشنطن).

تمثل جريمة مطار عدن، اختبار مصداقية لكل الأطراف داخل اليمن وخارجها، فالحكومة تساهم في تمييع الجريمة، بتحميلها المسؤولية مليشيا الحوثي دون إظهار أدلة قاطعة، فهذه الحادثة ليست الوحيدة لتجعل الحوثي مجرم حرب، فقد مارس طوال سنوات انقلابه جرائم لا تحصى، ويكفي القول أن انقلابه على السلطة (سبتمبر 2014) يعد أكبر وأخطر جريمة تضعه ضمن الكيانات الارهابية، لكن الحديث عن ارتكاب مجرم ما جريمة ما، دون إثبات، يساهم في تمييع الجريمة وتبييضها.

ما يجب على الأمم المتحدة، هو الضغط باتجاه فتح تحقيق دولي، لمعرفة الجهات المنفذة للجريمة، والجهات المخططة لها، والجهات الميسرة لها، بدل التوجه لتمييع جريمة عدن بالحديث عن  جولات سلام زائفة، فلا يمكن عقد مباحثات بين طرفين أحدهما متمرد متهم بتنفيذ اعتداء على طرف شرعي في منشأة مدنية، وإن الحديث عن السلام في هذا السياق، جريمة حرب بحد ذاتها، كونه يمثل غطاء على مرتكبي الاعتداء، وتشجيعا لاستمرار ارتكاب جرائم أخرى.

وبعد أن سعت لتدويل حادثة مطار عدن، فما يجب على الحكومة الآن، أولا؛ أن تقدم الأدلة التي تثبت اتهامها للحوثي، فهذا ما يجعلها فعلا جهة رسمية تقول حقائق وليس وجهات نظر، وثانيا؛ تجميد ماراثون المباحثات مع الحوثي، حتى انتهاء التحقيقات في الحادثة، لأنه لا يستقيم استمرار مشاركة الحكومة في مفاوضات مع جماعة متهمة بارتكاب جريمة كهذه.. عندها تصبح شريكة في الجريمة، فتمييع الجرائم أخطر في النتائج من ارتكابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى