مشاورات الرياض وزلة “معين رشوش”

ياسين التميمي

مشاورات الرياض يبدو أنها أفرزت وتفرز الكثير من القبح وتلقي به على سطح حياتنا لتضيف إليه المزيد من الأوساخ السياسية والاجتماعية والأخلاقية والكثير من الغثاء والبلاء.

في البدء دعوني أفيدكم بما تناهى إلى مسامعي بشأن هذه المشاورات، التي يبدو أنها استقرت على معين عبد الملك سعيد رئيسا لحكومة المناصفة، ويجري الضغط حالياً لتمرير التوافق حول حصة كبيرة من ا لحقائب الوزارية المخصصة للجنوب لتؤول إلى المجلس الانتقالي النبتة الخبيثة التي زرعها التحالف في جنوب البلاد والمعادل الموضوعي القبيح للحوثيين في شمال البلاد.

لا يتوقف الأمر بالنسبة لي عند الإفرازات السياسية لمشاورات الرياض الحالية التي يستأثر موقع من سيرأس حكومة المناصفة المقبلة باهتمام المنخرطين فيها والمؤثرين الإقليميين والدوليين عليهم، بالإضافة إلى الأجندات الجهوية أو القروية إن صح التعبير ومخلفات الصراع الماضية التي يبدو أنها لا تزال تدلق بالمزيد من الأحقاد والإحن ومحمولاتهما اللفظية.

بعض من السياسيين المحترمين الذين يدورون بمواقفهم حول المشروع الوطني، يلفتون الانتباه بالمحاجة التي يطرحونها حينما ينتقدون بقاء معين رئيساً للحكومة ودوره الحالي على رأس الحكومة، إذ يصفونه بـ: معين “رشوش”، في إشارة إلى انتمائه الجغرافي، الذي ينتهي إلى محافظة تعز، المحافظة التي يعمل بعض أبنائها في مجال الضيافة والمطاعم والفندقة دون تحفظ حول سمو هذه المهنة أو وضاعتها، فهم يتصرفون كمجتمع مؤسس للمدينة في اليمن.

وحينما تتحدث عن المدينة فإنك تتحدث عن المهن التي حاول الحكام الطبقيون من الأئمة على وجه الخصوص، تحقيرها وتحقير من يعمل بها ويرتزق من عائد العمل في مجالها، حتى تبقى مهن السياسية وتأجير الجهد العسكري والتحكم بالقرار المجاميع القبلية، هي المهن النموذجية التي ينبغي أن يرتقي إليها أبناء الناس.

لا يفوتني أن أعرج على “الرشوش” الذي هو أحد أنواع الخبز المهيمن على الوجبات المقدمة في المطاعم الشعبية المعروفة بـ: “المخابز”، وهو بالمناسبة نوع هندي من الخبز يطلق عليه الهنود اسم” الروتي”، وصناعة هذا النوع من الخبز تقتضي مهارة وصبر على احتمال درجة الحرارة العالية خصوصاً في المطاعم التي تتواجد في المدن الساحلية الحارة.

ودعوني أخبركم أن تعز لا تزال تسبب غصة لدى الطبقة من السياسيين والعسكريين قليلي الخبرة وعديمي الخيال الذين، وصلوا إلى مناصبهم بحكم انتمائهم المناطقي أو الأقلوي، والذين لطالما وجدوا أبناء تعز أمامهم أساتذة في كل شيء في السياسة والعسكرية، والفن والحياة وفي صناعة البهجة.

وأن هؤلاء الذين حُقنت بهم الحياة السياسية والعسكرية في شمال اليمن وجنوبه، اضطروا في أحد أطوار حياتهم المهنية إلى أن يتتلمذوا على يد أبناء تعز أو على الأقل يرونهم القدوة العصامية التي تصل إلى أهدافها بالكفاءة، وتوفر الكثير من الخيارات حينما يتعين على البلاد أن تخطو إلى الأمام وحين يفكر أحدهم بعمل مشروع ما من فائض الأموال التي حصل عليها بأساليب مختلفة من بينها التخادم متعدد الأطراف حتى لو حساب اليمن.

وزاد بُغض الجميع لتعز وأهلها بسبب الدور السياسي والعسكري الذي أدوه في فترة تشكل الدولة اليمنية الحديثة في شمال اليمن وجنوبه، إذ كانوا هم من صاغ جمهورية اليمن الديمقراطية ورسخوا عقيدتها الوحدوية، ولم يكونوا بهذا الدور طارئين فقد كانوا جزء من الأغلبية السكانية لمستعمرة عدن البريطانية، لهذا مارسوا هذا الدور انطلاقاً من انتمائهم للأرض التي تشبههم في الملامح واللهجة والسلوك والأخلاق الإنسانية الرفيعة.

وفي صنعاء أسس أبناء تعز نواة الجيش الجمهوري الحديث وقادوا معركة الدفاع عن صنعاء وكانوا وقود الانتصار في تلك المعركة، لذا دفعوا ثمناً باهضاً من حياتهم وعيشهم ومستقبلهم، والسبب أن السعودية التي تدعم اليوم عملة حصار تعز وخنقها هي التي مولت عملية تصفية القوات المسلحة والأمن والدول في شمال اليمن من النخب التي تنتمي إلى تعز.

يمكن للمشتغلين في المهن التي يحتقرها قطاع الطرق، والقتلة المأجورون، وخدم الحكام، والمتعاقدين لحساب المشاريع الخارجية، أن يحملوا السلاح ويقاتلون. لكن في المقابل لا تستطيع الفئات المتعالية والغارقة في ادعاءات التفوق والتمايز الفئوي أو الجهوي، أن تقيم الحياة فتوفر الخبز ومتطلبات البقاء للإنسان والدولة.

ومن المهم أن يدرك الجميع هذه الحقيقة، ففي الغرب يعتبر الطباخ أو الخبار أو مالك المطعم من علية القوم ومن الشخصيات التي يشار إليها بالبنان.

وأخيراً أنا لا أدافع عن الدكتور معين، ولا عن دوره فأنا على الضد تماماً مما يقوم به، لكن لا بد من تأكيد حقيقة أن الاستعلاء على المهن لا يمكن أن يمنح المسترزقين من حمل السلاح شرف التميز، مع التمييز بين هؤلاء وبين من يقاتلون لأجل الحق وهو دور قائم على الشجاع والتضحية، وما أشجع أبناء تعز في مواقع الدفاع عن الحق والأوطان رغم كل هذا الاستعلاء الذي يمارسه البعض دون تمحيص أو تدقيق يليق بالحساسية التي تقتضيها هذه المرحلة تجاه المواطنة والعيش المشترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى