مركز دراسات: النموذج القبلي في المهرة ساهم في تقييد النفوذ السعودي شرقي اليمن

اليمن نت-متابعة خاصة

قال مركز “كارنيغي” للشرق الأوسط، اليوم الأربعاء، إن قبائل المهرة الواقعة في شرق اليمن، تلتزم بمدوّنة سلوك في الحوكمة القبلية ساعدت السكان على التوسّط في النزاعات واحتواء الصراعات في منعطفات بارزة من تاريخ المنطقة.

وذكر المركز في الدراسة التي نشرها للباحث في الشؤون اليمنية “أحمد ناجي”، أن ذلك كان كفيلاً بمنح المهرة والمناطق التي يمتدّ فيها المجتمع المهري قدراً من الاستقرار النسبي، حتى في أزمنة الحرب.

وأضاف: في الوقت الذي تتوالي فيه الحرب اليمنية فصولاً، تُشكّل المهرة ساحة صراع على النفوذ بين السعودية من جهة وعُمان من جهة أخرى.

ولفت إلى أن مدوّنة السلوك المهرية أتاحت لهذه المنطقة البقاء في منأى عن أسوأ التجاوزات التي رافقت الصراع، وساهمت في تقييد النفوذ العسكري السعودي هناك.

ويذهب الباحث إلى محافظة المهرة التي ظلت بعيدة كليا عن المناطق التي تشهد مواجهات مسلحة في معظم أنحاء اليمن منذُ العام 2014 م، إلا أنها وجدت نفسها في مركز صراع إقليمي وُجد نتيجة مزيج من ديناميكيات الصراع والمنافسة الإقليمية بين السعودية وكلٍّ من إيران وعُمان.

وأفاد أنه ومع ذلك، يبدو الصراع في المهرة صراعاً مسيطراً عليه من قبل المجتمع المهري، على الرغم من التباين الكبير بين الفاعلين الإقليميين، إذ أن ضحايا هذا الصراع منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2017 تشكّل رقماً لا يذكر إذا ما قورن بالمناطق الأخرى. إضافة إلى ذلك، ما زالت المهرة وجهة لعشرات الآلاف من الأشخاص الذين شُرِّدوا من مناطق أخرى في البلاد.

التصدّي للنفوذ العُماني

وأوضح أن الفصل الجديد من فصول الحرب في اليمن بدء في العام 2017، عندما أدّعى السعوديون أن حدود عُمان مع منطقة المهرة تُستخدم لتسهّل على إيران عملية تسليح المتمردين الحوثيين. وعبر إرسال قوات عسكرية إلى المهرة، في مسعى إلى وقف تهريب السلاح للحوثيين، بحسب الرواية السعودية.

وبين أن الهدف الظاهر الذي أعلنه التحالف حينها يخفي أهدافا أخرى  تكمن في التصدّي للنفوذ العُماني المتنامي في المحافظة، وتأمين منفذ استراتيجي على بحر العرب، بحسب الطموح السعودي القديم في المنطقة.

ويفيد الباحث في الدراسة أن تدخل القوة الصلبة “العسكري” الذي تتبعه السعودية مقابل نهج القوة الناعمة الذي تفضّله عُمان أدّى إلى دقّ إسفين الشقاق داخل المجتمع المهري الذي يستند إلى بنية قبلية، أكثر تماسكًا من قبائل معظم أرجاء اليمن. وقد شهدت قبائل عدة انقسامات داخلية بسبب المواقف المتضاربة لأعضائها حيال التدخل السعودي.

وقالت الباحث في دراسته إن أعمال عنف متفرّقة اندلعت بسبب التدخل السعودي في المهرة – بين القوات السعودية والقبائل المهرية، وبين قبائل مختلفة على حدٍّ سواء، لكن سرعان ما تم تفادي مفاعيل هذه الحوادث، كما تم احتواء العديد من التوترات من خلال معالجتها قبل تطورها إلى أعمال عنف، وذلك عبر الالتزام بمدوّنة سلوك عرفية قبلية غير مكتوبة، تضمن عدم التصعيد لضمان عدم انزلاق الأحداث إلى اشتباكات عنيفة أو مواجهات مسلّحة مديدة وواسعة النطاق.

وترى الدراسة أن هذه المدوّنة في الحد من الصراعات، تشجّع على التكافل والتضامن على المستوى القبلي الأوسع، وعلى تجنّب العنف بين القبائل.

ويرجع إلى أن موقع المهرة الجغرافي المعزول على طول الحدود اليمنية-العُمانية ساعدها أيضاً على تهدئة وتائر العنف في المنطقة، لكن مناطق أخرى قليلة السكان على الحدود مع السعودية أبدت قدراً أقل من اللحمة الاجتماعية، وعنفاً أكبر بالمقارنة. ومع أن معظم اليمنيين خارج المهرة وسائر الأطراف الخارجية المنخرطين في الحرب الأهلية اليمنية لم يفطنوا بعد إلى مدى تأثير هذه الحوكمة القبلية، إلا أنها تحمل دروساً من أجل خفض الأكلاف الباهظة للصراعات، جزئياً على الأقل.

فصل جديد من فصول الحرب

وذكر المركز أنه في تشرين الثاني/نوفمبر2017، دخلت الحرب الأهلية في اليمن مرحلة جديدة. حتى ذلك الحين، كانت القوات العسكرية السعودية تركّز جهودها على محافظات صعدة والجوف وحضرموت. لكن السعودية سرعان ما دخلت إلى المهرة باعتبارها قائدة التحالف العربي الذي تضمّن الإمارات ودولاً أخرى، واستولت على منشآت أساسية هناك.

ولفت إلى أن التدخل السعودي المفاجئ هناك يسعى إلى تقليص النفوذ العماني في المهرة، ولاسيما على ضوء قناعتهم بأن عُمان تسمح لإيران باستخدام أراضيها وأراضي المهرة المجاورة لنقل الأسلحة إلى المتمرّدين الحوثيين.

وتابع: كذلك، أراد السعوديون تأمين منفذ استراتيجي على بحر العرب، يتيح لهم بناء ميناء وإنشاء معبر لشحن الصادرات النفطية من أجل تجنّب دوريات القوات البحرية الإيرانية في مضيق هرمز.

وأفاد الباحث أحمد ناجي أن التدخّل السعودي لم يحظَ بالترحيب من قبل أبناء المهرة، لكن ما زاد الأمور تعقيدًا هو تبنّي السعوديين سياسة الأمر الواقع في تعاملهم مع المجتمع المهري، ومحاولة فرض أساليبهم على المهريين.

وبين أن محاولات السعودية الأولية لتفادي اندلاع شرارة المعارضة كانت تحمل قدراً من المواجهة المباشرة من الداخل القبلي. وخير دليل على ذلك قرار السعوديين إحضار عدد من مشايخ القبائل المهريين عبر الحدود من محافظتَي الخرخير وشرورة الواقعتين في المملكة إلى المهرة ومنحهم مناصب رفيعة في مؤسسات الدولة التي أُعيد تنظيمها حديثاًن كن هذا لم يغيّر شيئاً، إذ اعتبر الكثير من سكان المهرة هؤلاء بأنهم يقومون بخدمة أجندة السعودية.

كسب ولاءات المجتمع المهري

وقالت الدراسة إنه بعد ان فشلت السعودية في فرض شروطها على المهريين بهذه الطريقة، تبنّى السعوديون فكرة التأثير على المجتمع المهري بصورة مباشرة من خلال دعم بعض الأطراف فيه، لكسب ولاءاتهم مستنسخين الأسلوب العُماني. وقد حقّقوا قدراً من النجاح على هذا الصعيد.

ولفتت إلى أن هذه الإجراءات أمنت للسعوديين موطئ قدم في المجتمع المهري. لكن، نظراً إلى مدوّنة السلوك المهرية، بقيت مساعي اليمنيين الموالين للسعودية محدودة جدّاً في فرض الأجندة السعودية على أبناء قبيلتهم. كما لم ينجحوا في تحقيق هدفهم الأكبر المتمثّل في استخدام المجموعات القبلية الفرعية المتحالفة معهم لإحكام سيطرة كاملة على القبائل. فالحظر المهري على إثارة الفتن داخل القبائل أحبط مثل هذه المساعي.

وأكدت الدراسة أنه في نهاية المطاف، وعبر إجبار السعوديين على التكيّف، جزئياً على الأقل، مع منظومة السلوك القبلية، وعبر خفض وتائر الصراعات بين الأطراف كافة، أبدى المهريون قدرة على بسط نفوذهم وفرضوا أنفسهم كشركاء في عملية تقرير مصيرهم.

وأفادت: لم يكترث السعوديون في البداية بالعادات المحلية، لكنهم سرعان ما أُرغموا على مراجعة حساباتهم. فقد أدركوا أن السبيل الوحيد لممارسة نفوذ فعلي في المهرة هو من خلال التحالف مع القبائل أو العشائر المحلية.

وأشارت: لكي يحظى السعوديون بالمقبولية في صفوف هذه المجموعات، كان لا بدّ من احترام قواعد المهريين والتقيّد بها، أو على الأقل عدم انتهاكها صراحةً.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى