مرتبات الموظفين بين حكومتين

محمد العبدالرحمن |

المجال: مقالات التاريخ: ديسمبر 21, 2016

مرت أربعة أشهر على توقف مرتبات الموظفين ،  فمع اتخاذ الحكومة قرار نقل البنك المركزي إلى العاصمة المؤقتة عدن ؛ اتخذ الانقلابيون قرارا موازيا  بوقف المرتبات على الموظفين بحجة قرار نقل البنك ، وأصبح الموظف يرقب صرف مرتباته كل شهر  لدى البريد والبنوك دون جدوى ، وأصبحت الديون تتكاثر عليه ، وطلبات أسرته تؤرقه ، وتهديدات المؤجرين بإخراج أسرته تؤلم فؤاده ، وكل ذلك لايعني شيئا للحكومة والانقلابيين على حد سواء ، المهم أن ينفذ كل طرف مخططات عناده للطرف الآخر ، وينتقم كل طرف من الآخر ، دون اعتبار لموظف أو مواطن مسكين.

قرار الحكومة وإن كان متأخرا إلا أنه لم يدرس بجدية ، ولم يقدم أي حلول أو معالجات تضمن حقوق الموظفين ، مع أن الحكومة حينها أعلنت التزامها بصرف كل مرتبات الموظفين في كل اليمن ، كما أنه ربما كان من ضمن أهدافها بعدم صرف المرتبات تحريك الشارع للانتفاض على الانقلابيين ، وهو الأمر الذي حزمته مليشيات الانقلاب بقوة ، وجعلت كل من خرج للمطالبة بمرتبه داعشيا ، ما حمل الموظفين بابتلاع آلامهم والبقاء في بيوتهم مرضى وجوعى .

وهكذا كان قرار الانقلابيين الذي جاء كردة فعل على قرار الحكومة  لتأجيج الحقد على الحكومة لدى الموظفين ، ولم يكن ذلك القرار مدروسا كذلك ، إلا أنهم كانو معتمدين على مليشياتهم لقمع كل من يطالب بمرتبه أو تسول له نفسه الخروج للمطالبة به ، وإن كانوا حينها قادرين على صرف المرتبات ، إلا أنهم جعلوا من قرار النقل حجة لنهب السيولة الموجودة في البنك المركزي.

وكلاهما الحكومة والانقلابيون لم يضعوا نصب أعينهم معاناة الموظفين وأسرهم ، وتبعات حرمانهم مرتباتهم ، فالهدف لكل منهما هو الكسب السياسي ، والإطاحة بالآخر ، في الوقت الذي يقف كل منهما على أكوام من الدولارات الوافدة من الخارج ، يصرفونها على القيادات الموالية لهم  من جهة ، وشراء الأسلحة التي يقتلون بها الشعب اليمني من جهة ثانية ، وليتنقلون بها في عواصم الدول مع أسرهم من جهة ثالثة ، ولاستخدامها في شراء الولاءات ، وإقامة الطقوص الدينية والاجتماعية من جهة رابعة ، ولاضير عندهم أن يباد الشعب اليمني بأسلحة الطرفين ، ويموت من تبقى منهم جوعا ، وتحصد الأوبئة المتفشية البقية الباقية .

أربعة أشهر تجرع الموظف فيها مرارة الفقر ، وعرف معنى المعاناة والحرمان ، وأصيب بسبب كثر التفكير في مرتبه وانتظاره بأمراض مزمنة ، لم يكن يعرفها من قبل ، فهذا أصيب بالسكر ، وذاك بالضغط ، وذاك تعرض لجلطة سببت له شللا نصفيا ، وآخر قضت عليه ، وهكذا ،  وتبقى المعاناة مستمرة في زمن أصبحت معاناة الموظف سلعة تستخدمها الحكومة والانقلابيون للتسول بها لدى الدول والمنظمات الدولية ، للحصول على الدعومات المالية ، والمساعدات الإغاثية ، التي يستخدمونها لتمويل مجهوداتهم الحربية ،  وتنمية أسواق منتسبيهم السوداء ، وإنعاش أرصدة قياداتهم ، ولاضير عندهم أن يموت الجميع وتدمر البلاد.

الناطق الرسمي للحكومة صرح كثيرا بأن حكومته ستبدأ قريبا بصرف المرتبات للموظفين المدنيين ، فيما أعلنت حكومة الانقاذ التي شكلها الانقلابيون بأن مهمتها الأولى هي صرف مرتبات الموظفين ، وكلاهما يلعب بمشاعر الموظفين ،  الذين أنهكتهم الديون ، وأكلت الحاجة عفش أولادهم وأسرهم ، في الوقت الذي يرقب كل منهما الآخر ، كيف سيصرف المرتبات؟ ومتى؟

بدأت حكومة بن دغر بصرف مرتبات الجيش والأمن لمن هم تحت سيطرتها ، لكنها لم تصرف لمن هم تحت سيطرة حكومة الانقلابيين ، وهكذا نقلت وسائل الإعلام أن  بن دغر وجه بصرف مرتبات البعثات الدبلوماسية في الخارج ، وقبلها وجه بصرف مستحقات الطلبة المبتعثين للدراسة في الخارج ، وإن كانت الحقيقة غير واضحة بعد ، فكثير من المبتعثين الطلاب في الخارج ينفذون وقفات احتجاجية أمام السفارات للمطالبة بمستحقاتهم ، غير أن حكومة الانقلاب لازالت تمني الناس بوعود لم تحقق منها شيء ، فالقائمون على الموارد المالية لم يشبعوا بعد ، وكذلك كبار المسئولين لم يكتفوا ببناء مملكتهم ومملكة أبنائهم حتى يتيحوا الفرصة لتسليم مرتبات الموظفين!

للأسف الشديد الحكومتان تحاربان الموظف المسكين ، ولو أن مسئولي الحكومتين يعانون معاناة الموظف المسكين لقامت ثورات من داخل الحكومتين ، لكنهما يغدقان على وزرائهما ، وينعمان عليهم وعلى أبنائهم وأسرهم ، ويبحثون لأبنائهم عن مناصب عليا في الدولة ، وجامعات خارجية عريقة ليدرسوا فيها ، في الوقت الذي يموت فيه الموظف كل يوم ألف مرة ، ولايوجد من يبكي عليه أو يعزيه.

هذا هو حال الموظف مع حكومتيه الشرعية والانقلابية ، اللتين لم يقدمان شيئا له ولا لأسرته ومجتمعه ، وغاية ما يعملانه أن يسوقوا المواطنين وأبناءهم وقودا لأطماعهم ، وعتبة لإقامة بناء سلطان هش ، فلا حكومة هادي استطاعت تأمين مواطني المدن التي تحت سيطرتها ، وكفايتهم ماديا ، ولا حكومة السيد وصالح قدمت لمواطني المدن التي تحت سيطرتها ما يكفي عوزهم ، ولاهي أسلمتهم الخطف والاعتقال.

الغريب أن المواطنين بمن فيهم الموظفين استسلموا كل الاستسلام للحكومتين الغاشمتين ، فتجد منهم ممن طحنهم الفقر والعوز  يبرر لهما – كل بحسب خضوعه – ويلتمس لهما الأعذار ، ويتكفل بتقديم الذرائع لهما ، في الوقت الذي لم يكن المواطن والموظف ضمن حسابات الحكومتين ، أو في خططهما ، فغاية ما يسعون لتنفيذه وتحقيقه هو التشبث بسلطة على ركام أشلاء اليمنيين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *