محافظة المهرة بانتظار مواجهة السبت الحاسمة

ياسين التميمي

تتسم الخطوات السعودية في محافظة المهرة بالحذر، لكنها في النهاية تتجه نحو إخراج المحافظة كلياً من تحت السيطرة الشكلية الحالية للسلطة الشرعية إلى سيطرة المجلس الانتقالي، وهي مظلة أوجدتها السعودية والإمارات لتحقيق أهدافهما الجيوسياسية وسط صخب من المنازعات بين اليمنيين حول شكل الدولة ومصيرها تغطي على مخطط الدولتين الخبيث والماكر.

نجحت السعودية حتى الآن في توجيه ضربة عميقه ومؤثرة لحراك المهرة ولقيادته التي يمثلها المجلس العام لأبناء محافظتي المهرة وسقطرى والذي كان يتولى رئاسته الشيخ عبد الله بن عفرار نجل آخر سلاطين سلطنة المهرة وسقطرى والتي استمرت تحكم هاتين المحافظتين تحت الحماية البريطانية حتى 30 نوفمبر 1967.

فقد انشق الرجل ذي المزايا القيادية المتواضعة، والذي بقي متأرجحاً بين مصالحه التجارية في الإمارات وبين طموحاته السياسية في سلطنة والده وبين طموح أبناء المهررة للتحرر من الهيمنة السعودية الإماراتية.

وثمة افتراض حول ما إذا كان الرجل قد وقع تحت تأثير المكائد الخسيسة للمخابرات السعودية الإماراتية التي تتوسل كعادة المخابرات في هذه البلدان الملفات المتصلة بسمعة الشخصيات المؤثرة وبوضعها الأخلاقي، وهذا يظل احتمال تفترضه الطبيعة الدراماتيكية لانتقاله بين موقفين متناقضين دون أن يرف له جفن.

وفي ظل مخطط تواصل الرياض والإمارات تنفيذه في المهرة عبر استهداف البنية الاجتماعية المتماسكة لسكان المهرة، تتجلى الصورة واضحةً أكثر من أي وقت مضى أمام أبناء هذه المحافظة، حيث تتوفر كتلة وطنية صلبة تدور حول وحدة اليمن وحول الوضع الخاص لمحافظتي المهرة وسقطرى ضمن الجغرافية السياسية لليمن الموحد، وتتجه نحو الاحتفاظ بالخاصية الأخوية الراهنة والأصيلة للعلاقات مع الجارة الشرقية سلطنة عمان.

جزء من مخاوف السعودية ترتبط ببقاء هذه الكتلة متمسكة بالهوية اليمنية، وبالمصالح المشتركة وبالخصوصية اللافتة للعلاقات مع الجارة عمان، والتي تظهر حتى اللحظة التزاماً أخوياً لا يمكن الشك فيه تجاه أبناء محافظة المهرة باعتبارهم جزء أصيل من دولة يمنية تتعرض لاستهداف مباشر من المتدخلين العسكريين على ساحتها وهما السعودية والإمارات.

استدعت الرياض محافظ محافظة المهرة محمد علي ياسر لزيارتها، وكانت التوقعات تشير إلى إبقائه هناك وقتاً أطول، لتحقيق هدفين أساسيين هما: منع المحافظ من إقرار وثيقة الشرف بين أبناء محافظة المهرة التي هدفت إلى النأي بالمحافظة عن التجاذبات ومشاريع الفوضى التي تديرها الرياض وأبوظبي في المحافظات الجنوبية للبلاد.

أما الهدف الثاني فيتمثل في إتاحة الفرصة للمجلس الانتقالي لإنجاز فعالية الزحف على مدينة الغيضة عاصمة محافظة المهرة الواقعة إلى الجنوب الشرقي لليمن في إطار خطة تسعى إلى تقويض النفوذ القوي للحراك الوطني المهري الذي تقوده لجنة الاعتصام.

لا أشك لحظة واحدة في أن السعودية هذه المرة تتفانى في تحقيق أهداف حصرية بأطماعها الجيوستراتيجية في محافظة المهرة الواقعة إلى الجنوب الشرقي لليمن، وفي طليعتها الحصول على مرفأ نفيط تقتطع في سبيله هذه المحافظة لحسابها.

ففي السابق سعت الرياض إلى تحقق هدفاً مشتركاً لها مع الإمارات في محافظة أرخبيل سقطرى التي أظهرت أبوظبي أطماعاً وقحة للسيطرة علياه مستغلة تدخلها العسكري المفتوح وضعف السلطة الشرعية والطبقة السياسية اليمنية المتضعضعة والمتصارعة حول مشاريع بعضها يصل إلى حد التناقض، وتتراوح بين الوحدة والانفصال والجمهورية والإمامة.

التهديدات الصادرة عن الحراك الوطني المهري ورموزه الأقوياء وعلى رأسهم الشيخ علي سالم الحريزي وكيل محافظة المهرة السابق، تشير إلى أن المهريين مصممون على إفشال الفعالية التي رتبت لها الرياض وابوظبي ويراد للمجلس الانتقالي الجنوبي ذي الأجندة الانفصالية تنفيذها في هذه المحافظة.

فقد بقي الحراك الوطني المهري بعيداً عن السلاح، لكنه وأمام تساقط المحافظات الجنوبية بيد المجلس الانتقالي الذي صنعه التحالف السعودي الإماراتي، سيضطر على ما يبدو لأن يستخدم كل الوسائل الممكنة للحيلولة دون سقوط محافظة المهرة. وهنا سيتعمق مأزق الرياض، التي لن يكون بوسعها ان تدعي بأنها تحارب الإرهاب أو الإسلام السياسي أو الأطماع الإقليمية المحتملة لقطر أو تركيا.

لهذا عمدت إلى إعادة المحافظ محمد علي ياسر إلى المهرة لا لمنع الانتقالي من تنفيذ فعاليته بل لترشيد هذه الفعالية وضمان تنفيذها تحت مظلة المحافظ نفسه الذي لا يزال يحظى باحترام مواطنيه إلى حد ما وسيكون ذلك استنزافاً مقصوداً لهذه المكانة، لأنه إن تحقق ذلك فإن الانتقالي ومن خلفه التحالف سيحققان بكل تأكيد تحولاً قاصماً لحراك المهرة الوطني، لا سمح الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى