ماذا بعد توتر العلاقات السعودية المغربية؟

اليمن نت -ياسين التميمي
المجال: مقالات التاريخ: فبراير 8, 2019

لم يكن أحد يتصور أن الرباط ستُقدم على استدعاء سفيرها في الرياض، على خلفية توتر سببه تقرير تلفزيوني موجه ضد ما تعتبره الرباط وحدة وسيادة المملكة المغربية، وهو السبب الذي أضيف لجملة أسباب أخرى ساهمت في توتير العلاقات بني البلدين خلال العامين الماضيين.

فالعلاقة بين المملكتين تميزت طيلة العقود الماضية، بالرسوخ وبالثبات وبالخصوصية التي جعلت معظم ملوك السعودية يتخذون من أهم مصايف المغرب مقرات يقضون فيها أياماً بل اشهراً، حتى أن الملك سلمان سار على نهج أسلافه وبنى قصراً ضخماً في طنجة وقضى فيه إجازته الصيفية عام 2017 ولم يكررها.

لقد حدث الخلاف إذاً، والأغرب أن ذلك يحدث بسبب “قناة العربية” التي تبث من دبي، ومثلت طيلة الفترة الماضية منبراً للرسائل البغيضة الموجهة من دكتاتوريات المنطقة، واتجهت معظمها لمهاجمة شبكة قنوات الجزيرة العالمية، فقط لأنها أتاحت مساحة معتبرة للرأي الآخر.

ضاق ولي العهد السعودي وولي عهد ابوظبي على ما يبدو بالنهج المحايد الذي تبناه المغرب في تعاطيه مع الأزمة الخليجية وتحرره من المناكفات الصبيانية التي أوصلت مجلس التعاون الخليجي إلى حافة الانهيار، واتجه الموقف المغربي أيضاً نحو تبني سياسية عقلانية حيال ما يجري في اليمن، فكانت النتيجة أن هذين الزعيمين المغامرين، قررا مقاربة أحد القضايا الأكثر حساسية والتي تمس الموقف الصارم للمغرب من قضية الصحراء الغربية.

يبدو ألا نهاية للمغامرة الخطيرة التي يخوضها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في مسعى لترسيخ سلطته في البلاد، بتحفيز من دكتاتور صغير ناشئ في الإمارات المجاورة ويكاد لا يرى إلى أنفه ويدفع بالإماراتيين قسراً على موجة كراهية ضد كل ما هي أخلاقي ومسلم وينتمي إلى حضارة منطقتنا؟
هذه المغامرة كما رأى الجميع قلبت الأوضاع في السعودية رأساً على عقب، وقامت بإحلال أيديولوجيا شديدة الانفتاح لكن بدون ديمقراطية ولا حريات ولا كرامة، إلى حد التصادم مع ثوابت ومسلمات المجتمع السعودي والعربي والإسلامي.

والغريب أن إحلال هذه الأيديولوجية يتم عبر دكتاتورية الدولة وأدواتها القمعية، بعد أن كان يجري حراسة القيم المتشددة من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمستوى المتشدد ذاته لكن مع إبقاء الحد الأدنى من الكرامات قبل أن تحل محها هيئة الترفيه.

لقد ازدادت خطورة هذه المغامرة التي يخوضها بن سلمان، بعد أن تجاوزت حدود المملكة لتُلقي بتأثيراتها المزعجة على دول وأنظمة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، إلى حد بتنا معه نحن في اليمن ننظر إلى حرب المملكة والإمارات في بلادنا بأنها أحد الأشكال العنيفة للثورة المضادة التي تديرها وتمولها الرياض وابوظبي بعد أن تخلت هاتان الدولتان عن الأهداف المعلنة لتدخلهما العسكري.

والثورة المضادة ذاتها هي التي تعيق اليوم كما بالأمس عبور كل من ليبيا وتونس إلى مرحلة الاستقرار السياسي والشراكة الوطنية، وهي التي ثبتت نظاماً دكتاتوريا فاشلاً في مصر، يطالب بتغيير الدستور للبقاء في الحكم مدى الحياة، ولتنصيب الجيش وصياً على الدولة والدستور، في مقابل انهيار اقتصادي يصعب تداركه.

أكاد أجزم بان السعودية تنسج عبر هذه السياسات المغامرة سياج العزلة حول جغرافيتها التي تشغل معظم شبه الجزيرة العربية، ولن يكون غريباً إذا وقعت هذه الدولة الكبيرة في عزلة إقليمية ودولية أو غرقت في النفط الذي منحها الفرصة لبناء نفوذ يبدو أنه قد بدأ يضمحل.