The Yemen Logo

لو صبروا على سياسات الوزير العسلي لما سقطت صنعاء

لو صبروا على سياسات الوزير العسلي لما سقطت صنعاء

ياسين التميمي18:36 16/04/2021

اليمن نت _ ياسين التميمي

قبل يومين انتقل إلى رحمة ربه واحد من أكفأ رجال الدولة اليمنية، إنه البرفسور سيف مهيوب العسلي، الرجل العصامي الذي ولد عام 1956 في قرية العسلي بعزلة البريهة بمديرية جبل حبشي محافظة تعز، وخرج من قريته كبقية شباب تعز يتوسل عزماً لا يلين على التحصيل العلمي الذي يتيح له الانخراط في الحياة العملية متسلحاً بكفاءته وعلمه اللذين تحولا إلى خبرة تحدث عنها كل من عرفه خصوصاً في مجال الاقتصاد والمالية العامة.

سياسياً، كان الرجل محسوباً على الإصلاح، لكنه انشق على ما يبدو عن حزبه، وكان ذلك سبباً لأن يوكل إليه الرئيس السابق علي عبد الله صالح حقيبة المالية بعد إعادة انتخابه المثيرة للجدل رئيساً للبلاد عام 2006.

قبل ذلك كان الراحل أستاذا في جامعة صنعاء، وخبيراً دولياً  واستراتيجياً في مجال الاقتصاد والمالية العامة، وتلقى مستوى متقدماً من التعليم الأكاديمي في الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك كانت قدرته على الاتصال بالمنظمات الدولية كبيرة، وكان من القلائل الذين يصيغون القواعد الاقتصادية المرجعية في اليمن، وقدم عبر مسيرته المهنية استشارات مهمة للحكومة في هذا المجال وخصوصاً عبر وزارة التخطيط والتعاون الدولي.

لا أحسب إلا أن صالح كان بتعيينه الدكتور العسلي وزيراً للمالية يناكف الإصلاح، وإلا فإن معايير الاختيار لشغل مناصب رفيعة كمنصب وزير المالية لم تكن تنطبق على الرجل، لأن معايير صالح لم يكن لها علاقة لها بالكفاءة والنزاهة والشرف والرجولة، وهي مزايا كانت من نصيب البرفسور العسلي، لذلك كان تأثيره قوياً في إعادة توجيه دفة السياسات المالية، والحد من الهدر والفساد، حتى قيل عنه أنه أغلق الحنفية في إشارة إلى حجم الضرر الذي أصاب المنتفعين و "المتهبشين" والمقربين من النظام وأولئك الذين يعتقدون أنهم أعمدة النظام وقاعدة الجهوية.

ذات يوم كنت في مكتب الأستاذ عبد العزيز عبد الغني، واستمعت لحوار دار بينه وبين أحد أعضاء مجلس الشورى وكان وزير سابقاً، وللإنصاف كان صاحب موقف حاد من تغول الحوثيين وضد حربهم على الدولة في صعدة، لكنه كان ذلك اليوم منزعجاً من سياسة الدكتور سيف العسلي ويصفه بأوصاف لا تليق بالرجل أقلها أنه قليل عقل أو مجنون.

كان ذلك الوزير السابق وعضو مجلس الشورى يمثل وجهة نظر طيف واسع من أقرانه ومن رجال الدولة ووجهاء المجتمع الذين اعتمدوا بشكل كبير جداً على المال الذي كان يقدمه لهم صالح من موازنة الدولة، وكان يفيض عن حاجتهم، وتسبب في تخليق طبقة طفيلية غير منتجة وكانت غالباً ما تشكل غطاء لفساد النظام وفشله في إدارة الدولة وإخفاقاته على كافة المستويات بالإضافة إلى سياساته لتكريس السلطة والتي كانت على حساب بناء دولة حقيقية في اليمن.

المنصفون الذي عملوا تحت إدارة الدكتور سيف العسلي يذكرونه كرجل دولة شجاع، وتكنقراط وخبير لا يشق له غبار، وقد حفظ المال العام من خلال إرساء سياسيات غير مرحب بها لكنها كانت في غاية الأهمية، ومنها أنه عطل واحدة من أكثر آليات تدوير الفساد والمتمثلة في المناقلة من بند إلى آخر من بنود الإنفاق المقرة بموجب الموازنة، لأن بعض البنود كانت تحقق وفراً مالياً في نهاية، لكن الوزراء ومسؤولي المرافق والمؤسسات كانوا يعمدون إلى مناقلة الوفر إلى بنود إنفاق أخرى، مما يتسبب في إهدار مبالغ طائلة، كان يجري التصرف بها نهاية العام.

أعاد تبويب الموازنة للاستجابة للمتطلبات الحديثة في الميزانية العامة، والحد من الإهدار والسرقات، وهو إجراء قوبل بالرفض، وتلازم ذلك مع ارتفاع أصوات الاحتجاجات من المنتفعين الذين طالبوا صالح بإقالة الوزير سيف العسلي حتى لوقف الضرر الذي لحق بمصالحهم غير المستحقة.

لم يستمر الرجل أكثر من عام، فقد اضطر صالح إلى تغييره وتعيينه وزيراً للصناعة والتجارة وهو القرار الذي رفضه الوزير العسلي رفضاً قطعياً ليكون أول من يرفض استلام حقيبة وزارية لأسباب مبدئية، مقدماً بذلك نموذجاً مشرفاً لرجال الدولة المحترمين المتسلحين بالنزاهة.

وبعد أن غادر الرجل منصبه في 2007 إلى أن غادر الحياة برمتها، على كل الذين اعترضوا على السياسات الصارمة التي اعتمدتها لإدارة المالية العامة أن يكثروا من الدعاء وينذروا أدعيتهم لروحه الطاهرة، فإنهم إن كانوا صبروا عليه لما دخل الحوثي إلى صنعاء وجردهم من ممتلكاتهم وكرامتهم وحولهم إلى أذلاء، وهي كلفة لعمري باهظة، لو كانوا يعلمون أنهم سيتكبدونها لصفقوا للدكتور العسلي وهللوا للسياسات التي اعتمدها لفائدة الوطن والشعب.

رحمة الله تغشى الفقيد الراحل وصبر أهله وذويه.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

انشر الخبر :

اخر الأخبار

الملكيات الحاكمة ليست نوعًا استثنائيًا أو "أكثر ليونة" من الاستبدادية

وأعلنت إسرائيل مقتل سبعة، بينهم جندي قتل على الحدود مع غزة. . .

لم تفِ حملة النظافة التي قام بها مكتب الثقافة ليلة العيد بالغرض، إذا بقيت أكوام من القمامة مكدسة في معظم شوارع المدينة. . .

يتمثل الهدف الإنمائي للمشروع في تحسين توافر الغذاء والوجبات الغذائية والوصول إليها، على المدى القصير والمتوسط . . .

linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram