لماذا تختار السعودية الفشل في اليمن!

محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أغسطس 7, 2018

 “انتصارات وهمية”، وصف مختصر للانتصارات التي ادعت السعودية والإمارات تحقيقها ضد تنظيم القاعدة في اليمن، وهو وصف أتى من وكالة دولية عريقة، وكالة اسوشييتد الامريكية، الوكالة التي أكدت في تقرير حديث لها، على أن التحالف العربي الذي تقوده السعودية وتدعمه الولايات المتحدة الامريكية، “ادعى تحقيق انتصارات أدت إلى طرد القاعدة في اليمن”، لكن ذلك الانتصار؛ وفق الوكالة الامريكية، تم من دون إطلاق رصاصة واحدة.

 تكشف الوكالة، عن ابرام اتفاقات سرية بين التحالف ومقاتلي القاعدة، ووصل الأمر إلى دفع أموال لبعض عناصر التنظيم الإرهابي، بهدف مغادرتهم المناطق دون قتال، والشيء المستغرب، هو السماح لهم بالانتقال إلى مناطق أخرى بسلاحهم وعتادهم واموال منهوبة؛ وفق الوكالة، لكن الشيء غير متوقع، هو طلب التحالف من أعضاء القاعدة الانضمام إلى التحالف نفسه، والقتال تحت إدارته، مع دفع رواتب منتظمة لهم.

 ما حدث، ليس مفاجئا، فالجميع يعلم ان عناصر من القاعدة أضحت موجودة ضمن قوام الألوية التي تقاتل مع الإمارات، لكن المفاجئ هو أن المعلومات أضحت موثقة دوليا، وهي بمثابة اعتراف دولي بأن التحالف يمارس لعبة خطيرة في اليمن، خارجه عن سياق المعلن عنه؛ استعادة الشرعية ومحاربة القاعدة في اليمن.

 القصة تكمن، أننا نحن اليمنيون، نعلم ذلك، وطالما تم التحذير من الأجندة السيئة للتحالف في اليمن، وأنه لا يقاتل في اليمن من أجل استعادة الشرعية، وانهاء الانقلاب، بقدر ما شن حملات تأديب لمليشيا الحوثي، التي خرجت عن الخط المرسوم لها في 2014، وظهر الانقلاب بحد ذاته فرصة خليجية لبناء نظام جديد هش في اليمن، يدين بالولاء والتبعية للتحالف السعودي الإماراتي، لم يكن ذلك جديدا لنا؛ أي ما فعلته الرياص و أبوظبي في اليمن، لكن الجديد أن وكالة أمريكية شهيرة، تقول بصراحة، إن اليمن ليس فقط يقاتل ضد الشرعية، بل أيضا يقاتل عمليا ضد أمريكا في اليمن، وبمساعدة أمريكية، ودعمها.

 لماذا تفعل السعودية، والإمارات، كل هذا باليمن؟، لماذا تقاتل بالقاعدة ضد الحوثي؟ ولماذا تختار الفشل في اليمن، على النجاح بها؟، الإجابة على هذه التساؤلات لها علاقة بالعقدة الخليجية من ثورات الربيع العربي، والتي تحولت إلى ما يعرف في علم النفس، بالفوبيا، لقد أصيبت الرياض وأبوظبي، بمرض يبدو أنه من الصعب الشفاء منه، اسمه فوبيا الربيع، فوبيا فبراير في اليمن.

 هذه الفوبيا، التي بدأت في 2011، بمحاولة انقاذ نظام علي صالح، الذي خلعته ثورة فبراير من السلطة، قامت السعودية بتفصيل مبادرة خليجية، تهدف في جزء منها إلى تمييع ثورة فبراير، وفي الجزء الآخر انقاذ نظام صالح، وأدت المبادرة إلى إجراءات نقل السلطة إلى نائب المخلوع صالح، عبده ربه منصور هادي، وكالعادة، تم وضع المسمار في نعش الانتقال السلمي للسلطة، بالسماح لدخول مليشيا الحوثي في الحوار الوطني، التي كانت تتمدد خلال فترة الحوار من صعدة، ولم ينتهي الحوار، حتى انقلبت عليه بالتحالف مع المخلوع صالح.

 كان الملاحظ أن الحوثي تمدد بمليشياته نحو صنعاء، وظلت السعودية تتفرج، ورغم سقوط كل المحافظات، إلا انها لم تتدخل إلا بعد سقوط عدن بيد الحوثي، ومن المهم الإشارة هنا، إلى أن القاعدة خلال الفترة لم تحرك ساكنا في شبوة وحضرموت، بالإضافة إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، اعترف في أحد تصريحاته، بأن دخول الحوثي عدن كان تجاوزا لا يجب السماح به.

 وخلال السنوات الماضية من عمر التدخل السعودي الإماراتي في اليمن، تم بناء التحالفات والتحركات العسكرية، وفق “فوبيا الربيع”، فهذا التحالف رفض التعامل مع المقاومة الشعبية، لأنها تخلقت من رحم ثورة فبراير، وظل يتحجج بضرورة تحويلها إلى جيش وطني، ولما تحولت تلك المقاومة إلى جيش وطني في المناطق المحررة، فضل التحالف تشكيل مليشيات خاصة به، على التعاون ودعم الجيش الوطني التابع للشرعية، وتكمن العقدة في كون الجيش تكون من رحم المقاومة، التي تكونت بدورها من رحم فبراير.

  قرر التحالف، الذهاب إلى أبعد مدى من الحقد على الجيش الوطني والمقاومة الوطنية في اليمن، فقام ليس فقط ببناء تشكيلات عسكرية مليشياوية محلية في المناطق الجنوبية، مثل الحزام الأمني والنخب الحضرمية والشبوانية، بل ذهب إلى التحالف مع القاعدة، التي تصنف أمريكيا بتنظيم إرهابي عابر للدول، تم إدخال عناصر من القاعدة داخل مليشياتها المنتشرة على الخارطة الجنوبية، ولما تعضى إدخال تلك العناصر داخل المقاومة والجيش في مناطق الشمال، علمت على إنشاء تشكيلات أخرى سلفية مقاومة، مطعمة بعناصر القاعدة، كما حدث في تعز، مثل كتائب أبوالعباس.

 نحن أمام تحالف عجيب وغريب، يعلن القاعدة كعدو إرهابي، ويقيم التحالفات معه، لتحقيق انتصارات وهمية، ويسمح لهم بالانتقال بالسلاح لمناطق أخرى، ويجند أفراده داخل ألوية عسكرية تواجه الحوثي، ثم يدعي للعالم أنه يحارب الإرهاب باليمن، بل وصل الأمر إلى إعلان التحالف قائمة بأسماء شخصيات وجماعات تدعم الإرهاب في اليمن، مثل أبوالعباس في تعز، ومع ذلك تستمر بدعمه بالمال والسلاح.

 الآن يمكننا معرفة الإجابة، لماذا تفشل السعودية والإمارات في مواجهة مليشيا الحوثي، ولماذا تنجح مليشيا الحوثي في تثبيت سيطرة حقيقية لها في صنعاء حتى الحديدة، ولماذا تحقق انتصارات سياسية  في الأمم المتحدة ودبلوماسية في المحافل الدولية؟، الإجابة واضحة، لأن التحالف السعودي الإماراتي، يريد تحقيق انتصارات على الحوثي بالطريقة بالانتصار الوهمي الذي حققه مع مليشيا القاعدة، إنه يحارب الإرهاب بالتحالف معه، باستخدامه كأداة، لإضعاف اليمن، لا لإنقاذه، وإذا ما استمر هذا التحالف في هذه السياسة الوضيعة، سيأتي يوم تكتشف فيه الرياض أن كل هذه الانتصارات الوهمية، مثلت جسرا لفشل سعودي كبير قادم، داخل السعودية وخارجها، إقليميا ودوليا، ولن يستفيد منها، إلا، ما تسميه الدوائر السياسية في الرياض، بإيران.