لا يمكن استعادة الدولة ب”تنويم الجبهات”

مأرب الورد

من المفيد أن نستهل المقال بهذا السؤال: ما هي استراتيجية الشرعية والتحالف العسكرية حالياً ومنذ فترة ليست بالقصيرة؟

وقبل الجواب على السؤال لا بدّ من التوقف عند نقطة أساسية وهي أن التحالف يتحكم بقرار الشرعية العسكري بدءاً من اختيار زمان ومكان المعركة وهو من يحدد احتياجاتها ولا يقدم للجيش إلا بالقطارة وهذا الكلام ليس من قبيل تحميله المسؤولية ودرء الفشل عن سلطة البلد المعترف بها دولياً.

أعتقد أن هذه المسألة واضحة ومفروغ منها ويمكن للباحثين عن أدلة البحث في محرك “جوجل” على الانترنت عن تصريح أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي حول معركة الحديدة وسيجد ما يقنعه وهذا مجرد مثال واحد.

بالطبع هناك هامش لدى الشرعية يمكنها التحرك فيه ولكنه في إطار محدد وهو المتعلق بالدفاع، أما الهجوم وخاصة في الجبهات الاستراتيجية مثل نهم سابقاً أو التوجه لصعدة أو حرف سفيان من جهة الجوف أو استكمال تحرير صرواح لا يمكن للشرعية أن تستفرد به وتغامر لأسباب كثيرة أولها أنها لا تملك السلاح والذخائر الكافية كون الدعم من التحالف وثانياً لا يريد الحليف حسماً سريعاً وهو لا يزال لديه أجندات تتعلق باليمن وداخل الدولة التي تقوده ويحتاج أن ينتهي منها.

وعليه فإن لوم الشرعية يتركز على ما يخصها وهو الفشل في الحفاظ على المكتسبات التي تم تحقيقها في السنوات الماضية سواء في نهم أو الجوف، وهذه الانتكاسات أظهرت أن هناك خللاً كبيراً في سوء إدارة المعارك والإهمال لها سواءً بتأخير الرواتب لشهور أو ضعف التأهيل وغياب الخطط العسكرية التي تستوعب كافة الاحتمالات.

ومع ذلك فإن الشرعية والتحالف الداعم لها يتحملان معاً مسؤولية الهزائم والانكسارات الأخيرة وما قبلها بالطبع، لأنهما انتهجها ما يمكن تسميته باستراتيجية “تنويم الجبهات” وهي تعني ببساطة وضع جبهات القتال في حالة ركود مع التخلي عن الهجوم المفضي للتحرير وهذا ما سمح للحوثيين بتحديد زمان ومكان المعارك والهجوم بكل ثقله في الجبهة التي تمثل له أولوية حالية.

حين هاجم الحوثيون نهم كانت معظم الجبهات في حالة نوم عميق وهذا ما ساعدهم في استقدام أعداداً كبيرة من مقاتليهم من جبهات الحدود مع السعودية بعد أن أبرمت تهدئة معهم ومن بقية الجبهات، وأسفر هذا الضغط المكثف لخسارة المنطقة وهذا لا يعني إغفال العوامل الأخرى.

وتكرر هذا السيناريو عند الهجوم على الغيل والحزم لمدة تزيد عن أربعين يوماً دون تحريك عدد من الجبهات حتى على سبيل الاشغال وتشتيت المقاتلين، وكان من المنطقي أن ينجح الحوثيون في النهاية طالما قد استفردوا بهذه الجبهة وهم أقوى من قدرات مقاتليها العسكرية باستثناء الطيران الذي لا يملكه الطرف المهاجم.

هذا ما يفسر استمرار الحوثيين في الهجوم على الجبهات المهمة طوال الفترة الماضية لأن خصومهم انتقلوا من الهجوم المفترض والذي هدفه استكمال التحرير إلى الدفاع الفردي وغير المؤطر بخطط دفاعية طويلة الأمد تستوعب كل الاحتمالات وطول فترة المعارك المحتملة.

لقد باتوا في حالة هجوم لاستعادة ما خسروه قبل سنوات وتحقيق ما عجزوا عنه لاستكمال السيطرة على الشمال كمرحلة أولى ثم الجنوب لاحقاً ولن يلتزموا بأي حدود مرسومة في أي تفاهمات سواءً مع أطراف محلية جنوبية أو خارجية ودرس ٢٠١٤ وما بعده خير دليل.

منذ أسابيع يركز الحوثيون هجومهم العسكري القوي على صرواح مصحوباً بخطاب دعائي عبر قنواتهم الخاصة والحكومية التي استولوا عليها في ظل فشل إعلام الشرعية وتحديداً الرسمي منه على مواكبة الأحداث والتعامل معها كما يجب.

تعرف الشرعية والتحالف أن مارب هي آخر حائط صد قوي ومتماسك أمام الحوثيين وهي تشكل قوتهم في المناطق المحررة لأنها تمثل ثلاثية قوة ليست موجودة في بقية المحافظات الجنوبية والشرقية وحتى تعز وهذه الثلاثية هي التماسك القبلي والحاضنة الشعبية المضحية والوحدات العسكرية الأكثر تماسكاً وجاهزية والمكونات السياسية المنسجمة والمتوحده في الموقف والعمل ضد الحوثيين.

ولذلك فمن غير المقبول ترك الحوثيين يضغطون بكل ما أوتوا من قوة يومياً على صرواح للاستفراد بها في حين يتم تنويم بقية الجبهات وأهمها الجوف والبيضاء المجاورة وليس فقط جبهة قانية التي هي بؤرة ساخنة.

يجب أن يتحمل التحالف والشرعية مسؤوليتهم ويحرّكوا بقية الجبهات في كل مكان لتكون بداية عودة للمسار الأول الطبيعي وهو الهجوم من أجل استعادة الدولة وليس فقط الدفاع عن هذه المنطقة أو تلك.

إذا عدنا للسنوات الأولى للحرب سنجد أن الحوثي كان تحت الضغط وهو من يخسر حتى انحسر وكان الجيش على بعد ٥٠ كيلو متر من العاصمة، وكلما اشتعلت المعارك في أكثر من جبهة صعب عليه تغطيتها بالمقاتلين والصمود فيها كلها وهذا الوضع جعله عاجزاً عن الانتقال للهجوم إلا في حالات معينة وبعد أن يعد خطة لفترة طويلة ويجهز الثمن الباهظ.

وبالمختصر لا يمكن تحرير البلاد واستعادة الدولة باللجوء للدفاع على ما تحقق لأن هذا أولاً يكرّس الاعتقاد السائد بعدم وجود رغبة على تحقيق هدف استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وثانياً يعكس سوء تخبط وحسابات خاطئة وفشل عسكري بالنظر إلى أن المهاجم يكسب بغض النظر عن الثمن المدفوع والفترة المستغرقة للوصول للانجاز.

القضاء على انقلاب الحوثي وهزيمته عسكرياً خيار ضروري للجميع بمن فيهم السعودية التي لا يمكن تأمن على نفسها طالما بقي الخطر قائماً وأقوى مما كان سواءً على الحدود أو بالقصف عبر الصواريخ والطائرات المسّيرة، ناهيك عن ضمان مصالحها في اليمن في المهرة أو حضرموت أو غيرهما كون ذلك مرتبط بوجود سلطة دولة تفرض وجودها على كامل البلاد وما لم يتم استعادة الدولة لا يمكن الحديث عن نفوذ ومصالح في المستقبل.

وما لم يُعاد صياغة استراتيجية عسكرية على أسس هجومية تفضي لتحرير كلي مع إعادة تنظيم الجيش ودعمه لبناء قوة ذاتية بما في ذلك رفع الحظر غير المعلن عن حقه في الحصول على احتياجاته من أي مكان، لا يمكن استعادة الدولة حتى بعد سنوات.

 استعادة الدولة معركة جميع اليمنيين في المقام الأول ولا يجب التنصل منها وعلى أولئك الذين يواصلون ممارسة الأحقاد والتشفي والتهليل لسقوط المناطق بيد الحوثيين وهم قد ذاقوا المر ودفعوا الثمن أن يتذكروا بأن ما يحلمون به لن يتحقق لأنه لم يتحقق لهم في المرة الاولى حين دعموا سقوط صنعاء وكانت النتيجة أن الجميع بلا استثناء دفع الثمن بمستويات متفاوتة وعلى طول الخط.. فهلا استوعبوا الدرس وتحمّلوا مسؤولياتهم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى