كيف ولماذا تفقد السعودية السيطرة في اليمن

ياسين التميمي

اليوم هو 21 فبراير/ شباط 2020، مرت حتى الآن خمس سنوات إلا شهراً على بدء التدخل العسكري السعودي في اليمن الذي جاء في إطار تحالف عربي ضم عشر دول، ونفذ حملة عسكرية أطلق عليها اسم “عاصفة الحزم”، ثم “عملية إعادة الأمل”.

في هذا اليوم يطل المتحدث الثاني باسم التحالف وهو العقيد تركي المالكي من الرياض متحدثاً عن اعتراض قوات بلاده صواريخ بالستية أطلقها الحوثيون من العاصمة اليمنية صنعاء، كانت تستهدف مدناً سعودية لم يسمها بقدر ما حرص على إظهار أن الصواريخ تطلق في إطار عملية ممنهجة لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية.

ليس هذا فحسب، بل أن المتحدث ركز على صنعاء باعتبارها موئل الصواريخ التي يطلقها الحوثيون في العمق السعودي. يأتي هذا بعد خمس سنوات من الحرب، استطاع خلالها السعوديون أن يغيروا أشياء كثيرة بما في ذلك رأس هرم السلطة في المملكة نفسها، وإجراء تغييرات كثيرة في بنية النظام السعودي وفي المزاج الاجتماعي وضرب ثوابت عتيدة بنيت عليها الدولة السعودية ذات الطابع الديني طيلة القرن الماضي ودمرت مجلس التعاون الخليجي، وأساءت إلى علاقاتها مع دول سنية كبرى.

لكن السعودية لم تنجح في إجراء التغيير الحقيقي من وراء هذه الحرب التي تخوضها في اليمن، وهو إنهاء الانقلاب الذي نفذه الحوثيون المحسوبون على إيران، هذا إذا افترضنا أن إيران هي من فتح الباب لتقدم الحوثيين باتجاه صنعاء وضغط على الرئيس هادي للتواطؤ معهم من أجل إنهاء ثورة الحادي عشر من فبراير/ شباط 2011، وأجبرت الأطراف السياسية على توقيع اتفاق السلم والشراكة الذي مكن الحوثيين سياسياً من الدولة اليمنية ومقدراتها.

التطورات التي تواجه العملية العسكرية السعودية في اليمن بالغة الخطورة، فالعصابة الحوثية تتوفر لها كل الفرص لتحقيق ما يمكن أن نسميه توازن الرعب، والذي يجري بواسطة الصواريخ البالستية والطيران المسير والصواريخ المضادة للطيران، وكلها جاءت من طرف يكن العداء للسعودية ويتمنى استئصالها من على وجه الأرض.

السعودية للأسف تستأسد في المناطق الخاضعة للسلطة الشرعية، وتتعمد تفتيت المكاسب التي تحققت منذ بدء الحرب. ففي عدن مكنت الانفصاليين من تنفيذ انقلاب أدى إلى طرد الحكومة من المدينة، وفي المهرة قررت تجريف سلطات الدولة ومواجهة أبناء المحافظة بالحديد والنار وهم الذين أظهروا ولاء للسلطة الشرعية أكثر من أي محافظة أخرى في جنوب البلاد.

أغلقت المنافذ البرية في هذه المحافظة والتي كانت توفر مناخاً كريماً لانتقال حركة الأفراد والبضائع بطريقة قانونية، وأرادت أن تصعب على الناس ما كان قد توفر لهم من تسهيلات.

السعودية تخلت تقريباً عن التزاماتها تجاه السلطة الشرعية، وأعني هنا تحقيق هدف إنهاء الانقلاب وإعادة السلطة الشرعية، وباتت تخوض حربها الخاصة في اليمن، والتي تأتي المواجهات المتقطعة بين الجيش الوطني والحوثيين كجزء من عملية إشغال للأطراف وإنهاكهم لذا تبدو أسوأ حلقات الحرب السعودية في اليمن، بما تعكسه من عبث وعدم جدوى وخسائر لا تنتهي إلى مكاسب ينتظرها اليمنيون.

سقوط المقاتلة السعودية من طراز “التورنادو” في الجوف منتصف هذا الشهر، مثل حدثاً سيئاً بالنسبة للسعودية، ولكنها تتحمل المسؤولية عن هذا التطور النوعي الذي جعل أكبر قوة عسكرية في الجزيرة العربية تفقد السيطرة على المعركة في اليمن. فالحوثيون طالما وهم يسيطرون على كل هذه المساحة من الأرض، فإن بإمكانهم أن يطوروا قدراتهم على المواجهة والاتصال الخارجي وبناء مصالح مع أطراف أخرى قطعاً لا تتشارك مع السعودية المخاوف ذاتها من وجود الحوثيين المرتبطين بإيران في جنوب شبه الجزيرة العربية.

لذا لم يتبق للسعودية من خيار سوى أن تحسِّنْ من علاقاتها مع شركائها وأن تعود بأقصى سرعة ممكنة إلى الأجندة المشروعة للحرب وأن تظهر الاحترام اللائق للشعب اليمني وأن تسكت سفهاءها الذين يتلقون تعليماتهم من أبوظبي، وإلا فإن الحرب سوف تتعاظم مساوئها على السعودية نفسها وليس على أي طرف آخر في هذه الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى