كيف تُعرف بالقضية اليمنية في خمس دقائق!! (3-3)

 فيصل علي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: مارس 16, 2019

“الدبلوماسية في زمن الحرب مسؤولية الجميع دون استثناء”.. وليام سترانج

إن إطالة زمن الحرب و تدخل التحالف فيما يفترض أن يكون عمل الشرعية و الحكومة في المناطق المحررة يجعل القضية اليوم تختلف عنها في بداية العاصفة، هناك تداخل للمصالح الدولية في اليمن بسبب موقعها الجغرافي و مضيقها و موانئها الواقعة على طريق الحرير، و بريطانيا تريد أن تقول للصين شيئاً في اليمن، و ليس المهم أن يكون هذا الشيء على حساب اليمن و أمنه و استقراره و وحدة و سلامة أراضيه، التدخل السعودي في المهرة و الإماراتي في عدن و المخا و الحديدة و سقطرى و ميون و الصمت أو الرضا الأمريكي حيال ذلك … كلها مدخلات مستجدة في القضية اليمنية، لذا لا داعي للحديث عن احتكار الفهم و النظر من منظور واحد قد لا يكون واقعياً.

إن الاهتمام العالمي باليمن قد يُستفاد منه للخروج من المحنة و الحرب و تحقيق السلام إذا كان هناك من قيادة و عقل يمني ينتهز الفرص.

لقد كثرت الدراسات حول اليمن و حربها، و لا تستطيع خارجية بلا برنامج أو سفارة تنتهز الفرص لجباية المواطنين بسندات تصدرها من الطابعة مباشرة للمستهلك.. أن تجعل الدراسات والتحليلات و الأبحاث و المقالات و الآراء الحرة في الحديث عن مأساة اليمن، و لا عن أسباب الانقلاب و داعمي الثورات المضادة له و تحريضهم للحوثي على الاستيلاء على صنعاء بل و مولته دول إقليمية، ثم جاءت لحربه دون السماح بالقضاء عليه، فعلاقة السعودية بالهاشمية السياسية تمتد لأربعينيات القرن الماضي، فقد دعمتهم ضد الثورة اليمنية و ضد الجمهورية، و ليس مستبعداً أن تدعمهم مستقبلاً.

 إن الصوت الواحد لا يفيد اليمن و لا يفيد قضيتها و لن يساعد في استعادة الدولة و لا في إحلال السلام فيها، ومن يحتكرون الفهم ليسوا سوى عاطفيين لا غير، و كما يقول درويش “أحبك يا لعنة العاطفة” فالخطاب العاطفي يستهوي البسطاء جداً، فهو يمثل لهم انتصارات وهمية كاذبة مخادعة للحظة تنتهي بهم كمغفلين، و لذا فتفعيل خطاب العقل هو السبيل للخروج من الورطة.

يقول أستاذنا البروفسيور عبد الرزاق الدليمي في كتابة نظريات الاتصال في القرن الحادي و العشرين في شرحه لنظرية المعالجة المعلوماتية: (و الفكرة الرئيسية لهذه النظرية تقوم على الفرضية التي تقول إن الأشخاص لديهم وجهات نظر منمطة ومترسبة حول بعض الأفكار أو الأشخاص أو الأحداث التي تقع حولهم، و هذه الصور الذهنية المترسبة في العقل و الذهن تساعد على تفسير ما يدور في محيط الشخص و بيئته .. و بالتالي فإن الأفكار المترسبة في الذاكرة تؤثر على الشخص، بحيث يتجاهل الأفكار التي تتعارض معه و يركز على الأفكار التي تعزز أفكاره). و هذا التعارض مع ما يقوله و يفهمه الآخرين حول القضية اليمنية يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار، لا أن يتم النفور منه و اعتباره عدائياً.

إنني هنا أقول ما يجب عليَّ قوله، و لست معنياً البتة بمن أتفق أو رفض أو حنق أو غضب، فأنا لست سياسياً أمتهن البيع بحسب الطلب و أقول ما يعجب البعض أو يثير غضب البعض، و ليست لديَّ مصالح شخصية أو خاصة كما يحلو للبعض الكذب بخصوص ذلك.

إن مصالح اليمن مع الشعوب الملاوية القاطنة في اندونيسيا و ماليزيا و سنغافورة و بروناي ممتدة في التاريخ و لها جذور عريقة و أصيلة و هناك تاريخ مشترك مع دول جنوب شرق آسيا باعتبار اليمن دولة بحرية مارست دورها البحري منذ ما يزيد عن أربعة ألف سنة، كما أن الحديث بفخر عن نشر اليمنيين للإسلام في هذه المنطقة لم يعد مقبولاً في كثير من الأوساط، و لذا لم يكن جديرا بسفيرنا أن يفخر بذلك أمام إخواننا الماليزيين في المؤتمر السابق ذكره، فهذه المعلومة غير محققة و هي محل شك، فدخول الإسلام في هذه المنطقة بالإضافة إلى الهند والصين يعود إلى ما بين عامي 23 و 40 هجرية، و إن كان هناك من قادم من اليمن عبر سواحلها الشرقية فهي النسخة اليمنية من المذهب الشافعي و بعض طرق أهل اليمن في التصوف لا أكثر، و ليس الفتى من قال كان أبي ..

إن فهم اليمن و قضيتها و خارطتها دون النظر إليها بنظرة عالمية واسعة يقزم هذه القضية و يجعلها أما قضية مذهبية شيعية سنية، أو قضية عرقية قحطانية و قرشية، وهذا تسطيح لها لا أكثر، فبعد الجمهورية لا مذهبية، و بعد يمنية الدولة لا عصبوية و لا قبلية، و إنما دولة ترمز للسلام، و تسهم في صناعته عالمياً، و من يريدون تجزئة اليمن حسب عقولهم و مشاريعهم الصغيرة القروية، و المناطقية، و المذهبية، و العرقية سيخسرون، و العالم لن يكون إلا مع يمن السلام و السلم و التجارة و الحضارة و هذا ما نؤمن به و عنه لن نحيد.

نصف الحقيقة عدم، و نصف الصورة عمى، و نصف الموقف مجرد بيع و شراء، و الانتصارات الوهمية لها جمهور عريض من المغفلين. و الإستمالات العاطفية ليست سوى للاستهلاك المحلي، على طريقة بيع الحوثيين للشعارات لا أكثر، و هكذا بمداخلته العاطفية قال السفير كلاماً عاطفياً للشعب اليمني الذي تسكنه لعنة العاطفة، كان الهدف من المداخلة إيصال رسالة للجمهور اليمني لا إيصال رسالة للجمهور الماليزي، لم يهتم بها أحد في القاعة ولا خارجها ولم يتناولها الإعلام الماليزي، و لم يقلب سفيرنا الطاولة كما زعم اتباعه القُصر و لم “يقلع ضروسهم” كما يدعوّن، و كل الخوف أن تؤثر المداخلة على العلاقات المميزة بين البلدين -نتمنى أن لا يكون لها هذا التأثير السلبي- لكنه تم تسويقها للاستهلاك المحلي عبر مواقع هشة وبدا أن الهدف منها إعلامياً لا دبلوماسياً، أُعجب بها الرأي العام اليمني مع أنها مبتورة من سياقها كبتر آية: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) عن سياقها الأصلي.

لقد ضرب السفير عرض الحائط بقضية الطبيب اليمني عبد الحكيم المجاهد الذي قال في مداخلته و التي نطقها بالعربي “أنا  طبيب يمني فقدت الهوية و الوطن و مقدم لجوء في مكتب اللاجئين التابع للأمم المتحدة في ماليزيا منذ ثمان سنوات و هذه بطاقتي و أنا بدون عمل، و أنتم قلتم أنكم ستفتحون الباب ” لم يسمع  السفير هذا الصوت و ذهب يلمع نفسه عند الجمهور اليمني ذو الميول العاطفية و مازال معجب بالخطب السطحية، و بالتأكيد هذه الخطبة قد أعجبت سفارتي السعودية و الإمارات هنا في ماليزيا، فلكل خطاب عاطفي معجبين. و ربنا يلطف بالجالية و بشعبنا.

 تستطيع خارجية هادي أن تجتاز بعض الصعاب في هذه المرحلة الحرجة من هذا العصر “الشعوبي المجوسي السعودي الإماراتي الجبان” بالترافع عن القضية اليمنية بعيداً عن تحسين صورة السعودية التي يصعب عليها تحسينها، و المجال مفتوح للّعب بإحترافية فلليمن قضيتها التي تحدثت عنها القرارات الدولية بعيداً عن ربطها بجوار حمار المدبر أو كما ينص المثال اليمني (لا تربط حمارك بجوار حمار المدبر يدبرك معه).

يظن البعض أن ماليزيا قد انتصرت للحوثيين في هذا المؤتمر و هذا مجرد هراء و وهم، يتخيله البعض هنا و هناك، قد تقدم ماليزيا نفسها كدولة راعية للسلام لكنها لن تكون مع هذا الطرف أو ذاك، بحسب إعلان سياستها الجديدة في خطاب مهاتير الذي كان المؤتمر مستنداً عليه، من يبيعون الوهم يعتقدون أن الحوثيين لديهم صلات ببعض الأسر الماليزية ذات نفس النسب، و هذه مجرد فرضية لو سلمنا بها لماذا لا تقوم السفارة بالمثل فالوجود الحضرمي يفوق ما يتخيلونه عن الطرف الأخر بكثير، مع أني لست مع مثل هذا الطرح ولكنه مجرد رد على المتوهمين.