كيف تستنزف الإمارات الحكومة اليمنية من الداخل؟!!.. أذرع سياسية وعسكرية وإعلامية كشفتها “أزمة سقطرى”

اليمن نت -
المجال: أخبار, تقارير التاريخ: May 14, 2018

أظهرت أحداث أزمة سقطرى خلال الأسبوعين الماضيين بين الإمارات العربية المتحدة والحكومة اليمنية، كيانات مسلحة وقوى سياسية تدعمها وتمولها أبوظبي خارج عن سيطرة الدولة اليمنية، تنازلت سلطات الشرعية في كثير من الأحداث والمواقف، إذ لا تختلف تماماً عن المليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية التي تواجها حكومة عبد ربه منصور هادي.

فبالإضافة إلى المتمردين الحوثيين، وتنظيم القاعدة الإرهابي، اللذان تشن عليهم السلطة الشرعية بمساعدة من التحالف الذي تقوده السعودية حرباً مصيرية منذ أكثر من 3 أعوام، ظهرت في مقابل ذلك كيانات وجيوش مسلحة، أعقبها بعض التكتلات السياسية، تعارض مهام الدولة وتنازع سلطاتها في كثير من المناطق المحررة.

ومع الوقت، يتعقّد المشهد العسكري اليمني، ويزداد تشظيا وتفرقا، خصوصا بعد أن قامت الإمارات بإنزال دبابات وقوات في إطار مساعيها لمد نفوذها إلى أهم جزيرة في البلاد، في وقت تشارك فيه ضمن قوات التحالف العربي الذي تدخل لهدف استعادة الشرعية وليس للوقوف ضدها والعمل على إضعافها في مناطق تخضع لسيطرتها.

وحسب تقارير دولية، فإن أبوظبي طورت من قدرات وحدات عسكرية محلية في اليمن وعززت نفوذها على طول ساحل البحر الأحمر لكنها فتحت مجالا للخلاف مع الحكومة اليمنية، وشرعت في تشكيل قوات ومليشيات تابعة لها في أكثر من منطقة يمنية، في عمل مخالف لأهداف التحالف الذي تشارك تحت شرعيته في اليمن.

الحزام الأمني في عدن

في الوقت الذي كانت تنشغل الحكومة اليمنية، وجيشها الوطني في معارك ضد الحوثيين، كانت الإمارات تنشط تحت غطاء المساعدات الإنسانية، وعمليات التحالف العربي الذي تقوده السعودية، لتحقيق أهدافها الخاصة التي لا تتوافق مع مشروع الدولة اليمنية.

تقول وكالة “رويترز” إن دولة الإمارات هي الوحيدة التي حققت المكاسب الملموسة للتحالف على طول الساحل الجنوبي الغربي، حيث تبنت استراتيجية مختلفة وشكلت صداقاتها الخاصة في الحرب عبر ضخّ أموالاً على مجموعات مسلحة في اليمن.

تمثلت هذه المعلومات في تشكيل ودعم قوة أمنية وعسكرية تنشط في جنوب اليمن، تضم في صفوفها جمعا متنوعا من الضباط والعسكريين اليمنيين ونشطاء الحراك الجنوبي وبعض المحسوبين على “التيار السلفي”، وتعرف بولائها لدولة الإمارات وخدمة أجندتها في اليمن.

أنشأتها الإمارات بداية 2016، بعد أشهر من استعادة السيطرة على مدينة عدن من مليشيا الحوثيين، قوات خاصة مولتها وقامت بدعمها خارج أنظار الحكومة الشرعية التي كانت حينها تغض الطرف بقصد أو بدون قصد نظراً لمعركتها الأولى المتمثلة في مواجهة انقلاب الحوثيين على السطلة.

ومع إطالة أمد الحرب في اليمن، تمكنت الإمارات من العمل على نحو يحقق لها أهدافها الخاصة، ولو على حساب استعادة الشرعية ومشروع الدولة في اليمن، فقد أشرفت على قوات الحزام الأمني، وهي قوات غير نظامية لا تعترف بسلطة الدولة، وتدين بالولاء لقيادات انفصالية تطالب في تشطير اليمن وإعادته إلى ما قبل عام 90.

توسعت هذه القوات إلى محافظتي أبين ولحج المجاورتين لعدن، وضمت خليطاً من العسكريين ومؤيدي بعض فصائل الحراك المدعوة بالانفصال والسلفيين، وتلقى بعض أفرادها تدريبهم في الإمارات أو في قاعدة إماراتية بأريتريا، بحسب ما كشفت عنه تقارير غربية.

أثارت هذه القوات اللغط من خلال تهجير المنتمين للمحافظات الشمالية من مدينة عدن، وإدارة سجون سرية تعتقل فيها مئات المختطفين الذين يتلقون معاملة غير إنسانية، وبعضهم قتل تحت التعذيب، ناهيك عن منازعة قوات الشرعية في المحافظات التي يتمركزون فيها.

وخاضت قوات الحزام الأمني -المنتشرة في عدن وأبين ولحج، معركة ضد قوات الجيش الموالية للحكومة الشرعية في مدينة عدن، وسيطرت على مقرّ الحكومة والقضاء وعدة مبان حكومية، قبل أن تفرض السعودية هدنة في المدينة، في محاولة تهدف إلى الانقلاب على الدولة وحكومتها الشرعية، كان ذلك يتم في حينها بدعم وإسناد عسكري ولوجستي إماراتي واضح.

كتائب “أبي العباس” في تعز

هي مجموعات مسلحة يقودها القيادي السلفي عادل عبده فارع المُكنى بـ “أبي العباس”، ورغم ضمها مؤخرا إلى قوات اللواء 35 مدرع في محافظة تعز ضمن قرار دمج المقاومة الشعبية بالجيش الوطني، فإن تلك الكتائب تحتفظ باستقلاليتها وتتلقى تعليماتها وأوامرها من الداعم الرئيسي في أبوظبي.

تضم هذه الكتائب خليطا من السلفيين والقوميين الناصريين، ويصل عددها إلى أكثر من 2000 ألفي مقاتل، وتنتشر في أجزاء من مدينة تعز، خاصة الجبهة الشرقية، إضافة إلى منطقة “الكدحة” وتسيطر على مباني حكومية هامة وحيوية في المحافظة التي لا تزال ترزح حتى اللحظة تحت الحصار الحوثي.

ومنذ بدء عمليات التحالف العربي في اليمن، تلقى أبو العباس دعماً خاصاً من التحالف، وخصوصاً من الإمارات، حيث حصل على مدرعات وذخائر، إضافة إلى الدعم المالي، ناهيك عن ثقة قيادات التحالف في حينها بشخصيته وتقديم الدعم المادي والمعنوي المخصص للمقاومة الشعبية إلى يديه.

ومؤخراً، خاضت كتائب أبي العباس التي تضم في صفوفها قيادات محسوبة على القاعدة، اشتباكات مع فصائل في المقاومة وألوية أخرى في الجيش الوطني بمدينة تعز، بعد فرض سيطرتها على كثير من مؤسسات الدولة ورفضها الانصياع للقوات الأمنية بالمحافظة، انتهت المعارك باتفاق حكومي مشترك يتضمن تسليم كامل المقرات الحكومية إلى أجهزة الدولة.

قوات طارق صالح

يعتبر “طارق صالح” من أبرز القيادات العسكرية في نظام عمه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وقد تحالف مع الحوثيين بعد أن سهل سيطرتهم على صنعاء عام 2014، لكنه بعد اغتيال عمه في مواجهات ديسمبر/كانون الأول الماضي تحول إلى مناوئ لهم وحليف للإمارات في عدن.

وهناك، وفرت الإمارات من جانبها الدعم والإسناد لطارق صالح، وعملت على فتح المعسكرات الخاصة بقواته الفارة من مناطق الحوثيين وضخها بالمال والدعم، حتى تمكن من تشكيل ألوية عسكرية مقاتلة خاصة به من القيادات التابعة لقوات الحرس الجمهوري وجهاز استخبارات “الأمن القومي” الموالين لنظام صالح.

والغريب في الأمر أن المجلس الانتقالي الجنوبي، وقياداته المعروفة بعدائها للشمال ولكل ما هو قادم منها، عملت على تسهيل حركتهم وتأمين مرورهم تحت غطاء وحماية أمنية من قوات “الحزام الأمني” سالف الذكر.

هذه الخطوة أثارت مخاوف الحكومة اليمنية من ظهور كيان جديد موازٍ لها شمالاً خارج عن سيطرة الشرعية على غرار المجموعات المسلحة التي دعمتها الإمارات جنوباً، خاصة أن طارق صالح الذي بدل ولائه من داعم للحوثيين إلى مناهض لهم لم يعلن بعد انضمامه للشرعية أو القتال تحت رايتها، وهو ما وصفة مراقبون بحفتر جديد في اليمن على غرار ما حدث في ليبيا.

اليوم تقود هذه القوات عمليات عسكرية واسعة في جبهة الساحل الغربي، دون تنسيق مع الحكومة الشرعية وقواتها المتواجدة، أو حتى الخضوع لقيادتها، مما يشر للانقلاب على الشرعية ويفتح باب آخر للتشظي والانقسام عبر تقويض مشروع الدولة بجيوش وقوى متصارعة.

النخبة الشبوانية والحضرمية

لم يكتفي الممول والمخطط، بما سبق ذكره، من بناء وتأسيس جيوش وقوات غير نظامية في المناطق المحررة تنازع وتناهض سلطات الدولة وتعيق من مهامها وعملياتها القتالية المستمرة ضد الحوثيين، فقد شرعت إلى تأسيس النخبة الشبوانية وبعدها الحضرمية، فبل نحو عام.

تتلقى قوات النخبة الشبوانية دعماً وإشرافاً إماراتياً على غرار من سبقها من الجيوش والمليشيا، كما تمتلك مدرعات وأسلحة ثقيلة ورشاشات مختلفة، وتعمل في كل حالاتها خارج إطار أوامر الحكومة الشرعية التي تسيطر على المحافظة.

وقد انتشرت هذه القوات على الطرق الرئيسية في محافظة شبوة ومواقع نفطية، كما انتشرت على مداخل مدينة عتق العاصمة الإدارية للمحافظة، ومن أبرز أعمالها المعادلة للسلطة المحلية بالمحافظة، هي منع محافظها من الدخول إلى المحافظة لافتتاح مشاريع حكومية.

كذلك، سارعت الإمارات على بناء قوات مسلحة تنتمي لمحافظة حضرموت، وقد اتهمت هذه القوات باختطاف مواطنين يمنيين وتعذيبهم في سجون سرية، دعت المنظمات الحقوقية الدولية إلى تسليط الضوء عليها وإجراء تحقيقيات في الشكاوى المقدمة ضدها من أهالي عشرات المختطفين والمعتقلين.

وينتمي أفرادها إلى محافظة حضرموت، وتم إنشاؤها عام 2016 وكان الهدف الرئيسي المعلن لها هو طرد مسلحي تنظيم القاعدة الذين سيطروا على مدن في ساحل حضرموت -بما فيها مدينة المُكلا العاصمة الإدارية للمحافظة، لمدة عام كامل، وانسحبوا مع بدء العملية في أبريل/نيسان 2016.

تشرف الإمارات بشكل كامل على قوات النخبة الحضرمية، وتنتشر في مديريات ساحل حضرموت، وترفع قوات النخبة في مواقعها ونقاط التفتيش التابعة لها علم دولة الجنوب، وتضم في صفوفها أعدادا من مؤيدي الانفصال، رغم إعلانها الرسمي أنها تؤيد الرئيس هادي.

قوى سياسية تخذل سلطة الدولة

وعلى المسار السياسي، لا يخلو المشهد اليمني، من سجل مليء بالمفارقات والخذلان لكل ما يمثل الدولة، ويمكنها من انهاء الانقلاب الحوثي، ويمضي بالبلاد إلى دولة اتحادية توافقت عليها جميع المكونات السياسية اليمنية، ضمن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

فعلى الرغم من تأييد كبرى الأحزاب في البلد لسلطة الرئيس هادي وحكومته، لما حدث مؤخراً في جزيرة سقطرى، ومحاولة فرض الإمارات احتلال جديد على المحافظة في خطوة تنتهك السيادة الوطنية وتخل بالعلاقة بين التحالف العربي من جهة، والحكومة اليمنية والرئيس هادي من جهة أخرى.

غير أن، بعضٍ من هذه القوى لم تكن ضمن البيان الموحد لهذه الأحزاب، من بينها حزب الإشتراكي اليمني الذي خرج بعد يوم في بيان يعلن عن رفضه لإجراءات الحكومة الشرعية في مطالبتها بإلغاء دور الإمارات من التحالف العربي، على خلفية ما حدث مؤخراً في جزيرة سقطرى.

وفي الوقت الذي ظهر الحزب الإشتراكي اليمني في بيان أوضح فيه موقفه من أزمة سقطرى، تجاهل في المقابل التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، التعليق على ما حدث، وهي خطوات تقاربت في أراها ومواقفها، مع مواقف المجلس الإنتقالي الجنوبي المناهض للشرعية ولمشروع الدولة الإتحادية.

أزمة سقطرى كشفت أيضاً، عمق الخلاف والاختلاف بين أجندة دول التحالف العربي باليمن، فقد سارعت السعودية إلى احتواء الموقف عبر إرسال لجنة خاصة كما حدث سابقاً في أحداث عدن في خطوة وصفها مراقبون بالخجولة حيال الإصرار الإماراتي.