قبائل الطوق عين على السعودية ويد مع الحوثيين

زيد اللححي
المجال: مقالات التاريخ: ديسمبر 17, 2017

تعتمد القبائل اليمنية المحيطة بالعاصمة صنعاء في حياتها على مايقدمه لها الحكام المتعاقبون على صنعاء من مال وسلاح، فأينما وجد الحاكم الأقوى وجدت معه القبيلة، خاضعة، ومساندة، ومقاتلة، وممولة للمعركة، ومتآمرة أيضا على بعضها، على أن هذا كله مرتبط بمنح القبيلة وأفرادها أحقية “الفيد” عقب المعركة، ولاضير أن تفقد القبيلة الكثير من أبنائها في سبيل حصولها على ماتنهبه جراء المعارك من مال أو سلاح أومتاع، وما أكثر الحروب التي شهدتها صنعاء، خاصة في تاريخ الأئمة الزيديين الطويل.

ولم تكن القبيلة اليمنية قط ملتزمة بمبدأ، أو مدافعة عن حق، أو واقفة في وجه الظالمين، بقدر ماهي مرتبطة بالمصلحة الشخصية لشيخ القبيلة، فعليها يجتمعون، ولأجلها يتفرقون.

ولم تختلف القبيلة في التاريخ المعاصر عنها في العصور القديمة، فالطبع- كما يقال- يغلب التطبع، والعادات والتقاليد لاتتغير، والأطماع والمصالح هي من ينشئ الولاءات، ويوطد العلاقات، ويمتن الروابط، أما  الوطنية والدين فهما شعارات يطلقونها للاستيلاء على مشاعر عوام الناس، واستحلال ممتلكاتهم، ولاوجود لها في الواقع المعاش. وهو ما حاول الأئمة الزيديون تكريسه عبر التاريخ، فحقهم المزعوم في السلطة لايستقيم عوده بدين ولا أخلاق، وإنما يستوي ويينع مع البطش والقهر والاستبداد، والقبيلة خير أداة لتنفيذ هكذا مهمة.

وإذا كانت المصلحة التي دأبت عليها القبيلة ضد بعضها تجلت في أبهى معانيها مع الأئمة الزيديين كحكام محليين في صنعاء، فإن الخيانة والتآمر والإضرار باليمن هي السمة البارزة في العلاقة التي ربطت القبيلة بدول الجوار، فأينما وجد الإضرار باليمن وجدت القبيلة في أقبح صورها، وكلما ظهر المتأبطون شرا باليمن واليمنيين برزت القبيلة في أسوأ معانيها، وما أكثر ما استخدمت المملكة العربية السعودية قبائل اليمن للإضرار بالوطن، وضرب مصالحه.

كانت بداية العلاقة التآمرية بين المملكة والقبيبة مع ظهور الثورة اليمنية في سبتمبر 1962م، فعندما تحركت المملكة لوأد الثورة والقضاء على الثوار نصرة للإمامة لم تجد أمامها سوى القبائل للتحالف معهم، ولم تصدق القبائل نفسها حينما رأت المال السعودي، فسارعت لإطباق حصار طويل على صنعاء، كادت الثورة خلاله أن توأد لولا الدعم المصري المساند للثوار.

ولم تتوقف العلاقة التآمرية على اليمن بين المملكة والقبائل عند هذا الحد، فقد استمر الدعم السعودي للقبائل،  واستمرت القبائل في خيانة الوطن لصالح السعودية، الأمر الذي جعل المملكة اللاعب الأساس في الدولة اليمنية، وصاحبة الوصاية على اليمن في عهد الرئيس القاضي الإرياني، ولم تنفك الوصاية السعودية على اليمن إلا في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي الذي انفلت منها، وقطع دابرها.

ولكن إذا استطاع الحمدي حينها التحرر من الوصاية السعودية فإنه لم يستطع تحصين نفسه من خيانة القبائل، حيث لقي حتفه على يدهم بتوجيه وتخطيط وتمويل من المملكة، التي رأت فيه كابوسا أقض مضجعها، ونال من نفوذها في المنطقة.

وهنا برز صالح كنتاج لتلك الخيانة والمؤامرة الدنيئة التي اشتركت فيها المملكة مع القبيلة، فعمد إلى القبيلة لمساندته في تكريس حكمه، وتعزيز سلطته، فأطلق لها العنان، ومكنها من الدولة تعبث فيها أنى شاءت، ولم يكن يمنعها شيئا تطلعت إليه: الجاه والسلطان، والتجارة والنفوذ، وحتى علاقتها التآمرية مع المملكة لم يمنعها.

ولذلك ظلت العلاقة التآمرية على اليمن متينة بين السعودية والقبائل، وأصبحت كأقوى ماهي عليه في عهد صالح، وباتت القبائل والكثير من رجالات الدولة يتقاضون مرتبات شهرية من السعودية على مرأى ومسمع من صالح نفسه، الأمر الذي بات الولاء للمملكة أقوى من الولاء للوطن.

ولكن، هل اكتفت القبيلة بخيانتها لليمن واليمنيين عند هذا الحد بعد أن أصبحت المسير لأمور الدولة، والناهب الأوحد لمقدراتها؟

لم تكتف القبيلة بما نهبته في عهد صالح، وما حصلت عليه من المملكة، فالأطماع تتزايد، وأصبحت القبيلة تبحث عن جهات أخرى تبيعها خيانتها، ففي 2014م عندما أراد صالح أن ينتقم من الشعب، وعندما أرادت المملكة والإمارات أن يقضوا على الأخوان المسلمين، وعندما أراد الحوثيون أن يستعيدوا حقهم المزعوم في الحكم، تعاضدوا جميعا، فجعلوا من القبيلة أداتهم في تحقيق أهدافهم، فطردوا بها أهل دماج، وقتلوا بها القشيبي، وأسقطوا بها صنعاء، ودمروا بها اليمن كله، وسلموها للحوثيين.

غير أن الاستقطابات والخيانات التي دأبت المملكة على تعزيزها لدى القبيلة قابلتها استقطابات جديدة للقبيلة ذاتها، فعندما استأسد الحوثي، وتمكن من السلطة، ورفض أن يشاركه فيها أحد، وعجزت المملكة من خلال التحالف العربي أن تحقق نصرا على الحوثيين، أرادت أن تحرك المياه الراكدة، وتؤجج القبيلة، علهم يحققون لها نصرا مؤزرا يكفيها مؤنة القتال، ظنا منها أن القبيلة لازالت تمتلك من الخيانة مايؤهلها للقضاء على الحوثيين، لكنها تفاجأت بالقبيلة ذاتها تشيح بوجهها عنها، متجهة صوب المال الإيراني، ورامية بجسدها في أحضان الحوثيين، متذكرة الأيام الخوالي التي قضتها مع أجدادهم الأئمة، فحنت إليها، وركلت كل ماسواها؛ جاه صالح وسلطانه، ومال المملكة والإمارات، متمثلة قول الشاعر العربي “ما القلب إلا للحبيب الأولي”.

وهنا ظهرت الكارثة، وسقطت رهانات المملكة، وظهرت القبيلة في حلتها الأصيلة التي تربت عليها في عهد الأئمة الزيديين،  تجتمع مع صالح نهارا وتقاتل مع الحوثيين ليلا، وتأكل على مائدة صالح، وتؤدي الصرخة في حضرة الحوثيين، وتستلم الأموال من المملكة وتنفقها على حرب الحوثيين، وتتسلح من صالح لتقاتل بها في صفوف الحوثيين، وأنى لمن عاش في كنف الإمامة أن يمنعه دين، أو تحكمه أخلاق، أو تردعه مبادئ؟!