قانون الشرعية .. الصمت بذل أو الإقالة!

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يوليو 16, 2019

أظهرت قرارات الإقالات الأخيرة التي أصدرها الرئيس هادي ورئيس حكومته معين عبد الملك بحق بعض المسئولين مقدار الوهن والذل اللذين وصلت إليهما الشرعية اليمنية، فبعد مرور ما يقارب الخمس السنوات من الاغتراب القسري للرئيس هادي وبعض أعضاء حكومة معين عبد الملك وأعضاء مجلس النواب والأحزاب السياسية اليمنية؛ يصحو المجتمع اليمني مؤخرا على دوي قرارات رئاسية وحكومية بإقالة بعض المسئولين بحجج أقل ما يقال عنها (واهية) ولا تصدر إلا عن عاحز يتعمد إلصاف فشله على الآخرين.

ففي الأسبوع المنصرم أصدر رئيس الحكومة “عبد الملك” قرارا بإيقاف وزير المياه والبيئة “العزي هبة الله شريم” عن عمله، بسبب تضمنه قرار الإيقاف بانقطاعه عن العمل لفترة طويلة، وهذا السبب على الرغم من أن ظاهره يعكس مدى الحس الوطني لدى رئيس الحكومة، وحرصه على إلتزام وزرائه بالدوام، وتحمل المسئولية معه، إلا أن باطنه يؤكد ابتعاد القرار عن الوطنية بالمطلق، وينحو به نحو تأديب كل من تسول له نفسه انتقاد الحكومة، أو الحديث عن فساد مسئوليها، وما أكثرهم، خاصة إذا ما علمنا أن ذلك التوقيف يأتي على خلفية لقاء تلفزيوني مع الوزير الموقوف انتقد فيه الحكومة، والفساد الذي ينخرها.

وفي تقديري لم يكذب الوزير في انتقاداته تلك، فوزارة المياه التي يفترض فيها أن تكون هي من تعمل على توفير المياه للمواطنين تفتقد هي إلى المياه، فكيف ستقدمه للمواطنين، وفاقد الشيء لا يعطيه.

فإذا كان هذا الانتقاد هو من دفع برئيس الوزراء لإصدار قرار إيقافه عن العمل، مختلقا تبريرا غير منطقي، فكيف سيسوس “عبد الملك” البلاد، وأنى لمن يرفض الانتقادات الواضحة للعيان أن يقدم مصالح المواطنين على مصالحه الشخصية؟! ولاريب إن مؤهلات اختياره رئيسا للحكومة هي من تجر نفسها على هكذا قرارات.

وبذات الحجة التي علل بها “عبد الملك” قرار التوقيف لوزير المياه، أصدر هادي قرارا بإقالة “محسن خصروف” رئيس دائرة التوجيه المعنوي في الجيش اليمني، غير أن هذا القرار لم يكتف بالإقالة وإنما ذهب لما هو أبعد، حيث تضمن القرار إحالة “خصروف” للتحقيق، مسببا ذلك ب”مخالفته لضوابط المهنة وللوائح والقوانين العسكرية المنظمة”!

وإذا ما وقفنا على الأسباب التي دفعت هادي لإصدار هذا القرار نجدها أيضا من باب إخراس أصوات المنتقدين، فإذا كان “شريم” انتقد الحكومة فتم إقالته، فإن “خصروف” قد انتقد التحالف الذي أغرق اليمن في مستنقع الفوضى فتمت إقالته.

ودائما ما يظهر “خصروف” في القنوات الفضائية محللا عسكريا، ومدافعا عن التحالف، غير أن كلمات المديح التي كان يطري بها التحالف خلال السنوات الماضية لم تشفع له،  ولم يشفع له ولاؤه للرئيس هادي وشرعيته، كما لم تشفع له وطنيته التي طالما أبداها في تحليلاته، فكل ذلك ذهب أدراج الرياح أمام كلمة حق قالها بحرقة وألم بحق التحالف، جعلت هادي يسارع بإصدار قرار الإقالة والإحالة للتحقيق.

وفي الحقيقة؛ ما قاله “خصروف” ليس بخاف على أحد، فالجميع يعلم أنه لم يقدم شيئا لليمن، بقدر ما دمرها وحولها إلى قاع صفصف. أفلا يعلم هادي هذا؟ وتعلمه حكومته؟ ويعلمه مجلس النواب؟ وتعلمه الأحزاب؟! الجميع يعلم ذلك، لكنهم جميعا يقدمون مصالحهم الشخصية على المصلحة الوطنية، فتجدهم منكبين على أقدام التحالف يغسلون قذاراتها؛ المتلطخة بدماء اليمنيين؛ بماء وجوههم التي نضبت باستمرار ما يتلقونه من ذل ومهانة.

إنها الحقيقة التي لم تغب على أحد، لكنها ربما غابت عن هادي ورجالات حكمه، القابعين وراء قضبان التحالف، والمتطلعين لما يبصقه السعوديون في أيديهم ليدهنوا بها وجوههم القذرة.

لقد تمرس هادي ورئيس حكومته على  الوضع القائم، وباتا يتلذذان بألوان المهانة والاستحقار الذي يمارسه عليهما السفير السعودي “آل جابر”، فهما يريان بعيون السفير، ويتكلمان بلسانه، ويوقعان قرارات الإقالات بقلمه، وأيما وطني انتقد سياسات التحالف الحقيرة تطاله قرارات الإقالة الممهورة بقلم السفير.

لقد طالت الإقالات سابقا رئيس الحكومة السابق أحمد عبيد بن دغر الذي رفض الاستعمار الإماراتي لسقطرى، وطالب القوات الإماراتية المستعمرة مغادرة الجزيرة، فكوفئ بالإقالة، وطالت الإقالة نائب رئيس الوزراء وزير الخدمة المدنية “جباري” حينما طالب التحالف بإعادة النظر في العلاقة مع الشرعية، كما طالت الإقالة رئيس هيئة الأركان العامة “العقيلي” حينما تحدث بصراحة عن معاناة الجيش وطالب بدعمه بالمال والسلاح حتى يتمكن من تحرير اليمن، وطالت الإقالة أيضا وزير الدولة “الصيادي” حينما طالب هادي بالعودة إلى عدن ليمارس حكمه منها، وهي الإقالة ذاتها التي تطارد وزير النقل “الجبواني” لدعواته المتكررة بضرورة تصحيح العلاقة مع  الإماراتيين، وانتقاداته لفساد بعض مسئولي الحكومة، وهي اليوم تطال آخرين، فقط لأنهم انتقدوا التحالف الذي أطاح بالوطن كله، ومارس عليه ألوانا من الحقارة والإذلال التي لم تمارسها دولة على شعب قط عبر التاريخ.

ولعل الحقيقة  المرة التي أغضبت هادي ومن ورائه السعودية تكمن في تلك المقارنة التي قدمها “خصروف” بين إيران والتحالف، والذي أوضح فيها البون الشاسع بين الفريقين، فإيران الداعمة للحوثيين لم تتوان عن تقديم كل ما يمكنها تقديمه لهم، من صواريخ بالستية وطائرات مسيرة، وغيرها من الأسلحة التي مكنتهم من الإجهاض على الشرعية، وتهديد دول التحالف، أما التحالف الذي ادعا كذبا دعمه للشرعية لم يأتمن الجيش اليمني على أي من أنواع الأسلحة، ليست النوعية وإنما مجرد المدفعية والدبابة، أتدرون لماذا؟ لأن إيران تريد للحوثيين أن ينتصروا ليس على الشرعية وحسب، وإنما على التحالف أيضا، فأهداف إيران السيطرة على الأماكن المقدسة في الحجاز، بعكس التحالف الذي يسعى بكل قوة لهزيمة الشرعية، ونشر الفوضى في البلاد، ليسهل عليه السيطرة على الموانئ والمناطق النفطية، فأي الفريقين أحق بأن تخلع له قبعة التقدير والاحترام؟!

ومقابل تلك الإقالات المفضوحة من قبل هادي ورئيس حكومته، يشهد الجيش اليمني انشقاقات بالجملة، وعودة إلى صفوف الحوثيين، لا لشيء سوى ما يشهده الجيش من إذلال واحتقار من قبل أفراد قوات التحالف، فهل بحث هادي ورئيس حكومته أسباب تلك الانشقاقات وعملوا على معالجتها؟ أم أن ذلك لايعنيهم؟ فالذي يعنيهم فقط هو إقالة كل من حاول انتقاد أو التشكيك في ولي نعمتهم الذي أمدهم بالقدرة على الانتقام من الشعب المسكين!

وأخيرا؛ فإن الإقالات لن تتوقف عند هؤلاء، فالوطنيون في صفوف الشرعية كثر، ولن يقبلوا بما قبل له هادي ورئيس حكومته، وبالتأكيد سيأتي اليوم الذي يتحدثون فيه عن ذلك الاستحقار لليمنيين من قبل التحالف، وسينتقدون فساد هادي ورئيس حكومته وحاشيتهما، وحينها ستظهر الإقالات، وستسقط الشرعية ومن ورائها  التحالف، وسينتصر الحوثيون ومن ورائهم ملالي إيران، وسيبكي الشعب بمرارة لدعمه ووقوفه مع من لا يستحقون شرعية ولا احتراما ولا تقديرا، وإن غدا لناظره لقريب.