في ذكرى مقتله .. اليمنيون يتذكرون “صالح” الرئيس الذي قادته سياسته إلى تسليم الدولة لقاتله !

اليمن نت - تقرير خاص:
المجال: أخبار, تقارير التاريخ: ديسمبر 2, 2018

لم يكن يوم الثاني من ديسمبر 2017م، لحظة فارقة في حياة اليمنيين فحسب، بل شهد حدثا أربك المراقبين والمحليين للمشهد اليمني من دول غربية وعربية وخليجية، وشكل منعطفا جديدا للحرب في اليمن، وشهد انهيار أغرب تحالف عسكري وسياسي، عقب إعلان الرئيس اليمني السابق “علي عبدالله صالح” الإنتفاضة في وجه جماعة الحوثي، التي قاتلها لسنوات في صعدة إبان حكمه، وتحالف معها لسنوات بعد أن أصبح خارج السلطة.

وفي الرابع من ديسمبر أي بعد يومين فقط من انتفاضة “صالح”، قتل الرجل على يدي مسلحي الحوثي بشكل دراماتيكي في نهاية مأساوية لرجل حكم اليمن أكثر من ثلاثة عقود، بأسلوب “الرقص على رؤوس الثعابين”، كما كان يقول صالح عن نفسه في الكثير من الخطابات، وشكل مقتله صدمة لأنصاره وحتى خصومه الذين تأثروا بمشهد مقتل الرجل ونعوه واشادوا بموقفه المتأخر في مواجهة الجماعة الحوثية، على الرغم من توقعات الكثير من المراقبين الذين رأوا أن تحالف صالح والحوثي لن يصمد طويلا، لأن تركيبة التحالف بنيت على المصالح ودوافع الإنتقام بحسب الكثيرين.

اليوم يمر عام كامل على مقتل الرجل إلا أنه ظل الشخصية الأكثر إثارة للجدل في الشارع اليمني، عبر الكثير من أنصاره عن ندمهم على التحالف مع الحوثيين، لكنهم ظلوا يبررون تحالفهم مع الحوثيين نتيجة الضرورة التي حتمتها عليه، سيطرة الحوثيين على صنعاء وانهيار كل قوى الدولة أمامهم، ناهيك عن مشروعية مواجهة العدوان حسب وصفهم، وحرب السعودية والإمارات التي استهدفت أموال وممتلكات صالح، بينما يرى معارضوه ومستقلون، أن الرجل ساهم بشكل فاعل في فتح أبواب الدولة والبلاد أمام الحوثيين منذ حرب دماج مرورا باقتحام عمران وسقوط اللواء 110 مدرع الذي كان يقوده الجنرال الراحل “حميد القشيبي”، رغبة منه في تصفية كل خصومه العسكريين والسياسيين الذين ساهموا في الإطاحة به خلال ثورة الشباب 2011م، ولم ينتفض ضد الحوثيين لحماية واستعادة الدولة، بل لحماية نفسه وما تبقى من منازله وممتلكاته.

خطأ “صالح” الذي قتله

رصد “اليمن نت” الكثير من الجدل والردود في الذكرى الأولى لمقتل الرئيس اليمني السابق، من بينها مقال للدبلوماسي اليمني والوزير السابق “علي العمراني”، سفير اليمن في الأردن حاليا، الذي اعترف بأن صالح إنسان له مزايا كثيرة، وله من الود الكثير عنده محبيه، لكن ليس من بين مزاياه صلاحيته لتدبير شأن بلد وأمه مثل الشعب اليمني والدولة اليمنية، واعتبر أن صالح أضاع فرصا كثيرة كان بإمكانه انتهازها لبناء دولة يمنية يسودها النظام والقانون والحزم والعدل، لكنه لم يفعل.

وأكد “العمراني” أن صالح عنوان عهد من خفة الساسة والسياسة اليمنية واستهتارها وعقمها وسذاجتها، التي نشأ في ظلها وبسببها الحوثي والحراك الإنفصالي، والتطرف الديني، وتُوجت بتغلب الحوثي ودخوله صنعاء في 2014م، وأضاف: أن صالح الذي كان يوصف بأنه داهية وذكي (شخصيا لم أرَ من ذلك الشيء الكثير الذي يفيد في تدبير شأن اليمن )، فيكفي أنه ختم عهده وحياته السياسية، بالتحالف مع عدوه اللدود الحوثي، وعدو الدولة اليمنية في الحقيقة، وفعل صالح ذلك وهو الذي حكم اليمن أكثر من ثلاثة عقود، حارب فيها الحوثي، ستة حروب، ويفترض أن خبرته الطويلة وذكاءه ودهاءه المفترض، دله بأن لا يتحالف مع الحوثي وإنما يواجهه حد قوله.

أما المحلل السياسي “ياسين التميمي” فقلل من شأن الثاني من ديسمبر، وشدد أنه ليس انتفاضة ولا ثورة، بل نهاية للعبة القذرة التي أطاحت بالدولة والاستقرار وبأمل اليمنيين في حياة أفضل، والأسوأ أنها فتحت المجال واسعاً لعودة الإمامة من النافذة الجمهورية، وشدد “التميمي” في منشور له على “فيسبوك” أن هذا اليوم لا ولن يكون استثنائيا في تاريخ اليمن لمجرد أن أحد أطراف هذه اللعبة سقط مضرجاً بدمائه بلا نصير ولا ظهير، وفي مشهد يليق بمن أساء إلى وطن لطالما أحسن إليه ومكنه وأعطاه كل شيء يحلم به.

الناشط اليمني “متعب الجبلي”، قال إن “صالح” جزء من هوية اليمن، بصورة شبه مكتملة للأحزاب السياسية لا فرق كبير هناك، وأشار أنه بمجرد احتكاك باليمنيين في أي مكان ولو ليوم واحد فقط، سترى الف صالح، بصدقه وكذبه وخداعه و تفاؤله و فساده، وأضاف “الجبلي” في تعليق له على فيسبوك، أن صالح ذهب وعلى يد حلفائه الذين مكنهم من البلاد، وكان أكبر المعاقين فكرياً بل أحد العظماء المغفلين، وبذلك أكل أكبر خازوق بحياته، وأكد أن الرجل حاول في لحظاته الأخيرة من عمره أن يتوب ويتطهر من فعلته التي فعلها، لكنه حتى وبتلك التوبة المتأخرة لم يوفق و كان رهانه على فرس خاسر و جموع خاوية و كلهم يقولون ما لا يفعلون.

السيطرة على مكامن القوة والنفوذ

خلال ثلاث سنوات من تحالف صالح مع الحوثيين برز الرجل كأبرز اللاعبين في الحرب، لقد أطلق عشرات التهديدات والوعيد للسعودية، ودفع الكثير من أنصاره وقواته العسكرية التي كانت تدين له بالولاء وكرس نفوذه السياسي والقبلي، لرفد جماعة الحوثي بالمقاتلين الذين اجتاحوا المدن وسيطروا عليها وعبثوا بمؤسسات الدولة طولا وعرضا، حتى أن الكثير وصفه بالرجل القوي القادر على إنهاء سيطرة الحوثيين وإحكام قبضته على كل شيء متى ما أراد ذلك.

لكن جماعة الحوثي كانت أكثر دهاء من الرجل رغم خبرتها القصيرة في السلطة والسياسة، وتمكنت من تجريد الرجل من قوته العسكرية ونهبت عتاد الجيش اليمني بشكل كامل، كما قامت بتطويع القبائل الموالية صالح بالترغيب والترهيب، وانتشرت بشكل واسع في مؤسسات ومفاصل الدولة، حتى أن مشرفيها باتوا يتحكمون بكل قرارات البلاد السياسية والعسكرية والإقتصادية، تحت غطاء الشراكة السياسية بين الجماعة وحزب صالح، وحين قرر الرجل التمرد على الجماعة وجد نفسه مقلم الأظافر وبلا أنياب، محاصرا داخل مربع صغير وسط حي حدة أحد أحياء صنعاء، يحيط به ثلة من حراسته الشخصية، وقوات جهزها نجل شقيقه “طارق صالح” الذي قاد المعارك الميدانية ضد الحوثيين، بعد أن كان يشارك في القتال إلى جانبهم ضد قوات الجيش والمقاومة اليمنية لسنوات.

“العميد طارق” الذي تمكن من الإفلات من قبضة الحوثيين بعد مقتل عمه، وأصبح قائدا لقوات “حراس الجمهورية” التي تشارك في القتال ضد الحوثيين في الساحل الغربي لليمن، بعد أن جهزتها الإمارات، قال في ذكرى مقتل عمه، إن ‏الحوثية غدة سرطانية زُرِعت في الجسد اليمني كما زُرعت إسرائيل في الجسد العربي، وأضاف “طارق صالح” في تغريدة على تويتر، إذا كان الصهاينة يدعون أن لهم “حقا تاريخيا” في فلسطين، فالحوثية تدعي أن لها “حقا إلهيا” في اليمن وغير اليمن.

الخاسر الوحيد !

على الرغم من وصف الحوثيين مقتل صالح بالانتصار الكبير لهم، الذي مكنهم من التفرد بالقرار والسلطة، إلا أن الجماعة كانت الخاسر الوحيد بعد أن فقدت الغطاء السياسي والشعبي الذي كان يوفره لهم تحالف صالح، فبعد مقتله وجدت الجماعة نفسها خصما أمام كل المكونات والقوى اليمنية، وبدء الكثير من المسؤولين والقيادات العسكرية والقبلية بالانشقاق عنها، وتوسعت الإنتقادات الشعبية ضدها، فرحيل صالح حرر الكثيرين من قيودهم والتزاماتهم السياسية للرجل.

‏الإعلامي والقيادي في حزب صالح “كامل الخوداني” اعترف في تغريدة على تويتر، أن انتفاضة ديسمبر بوجه الحوثيين، ربما لم تحقق اهدافها كاملةٌ، لكنها بترت اطراف الحوثي وحولته الى جسدٌ كسيح يفاوض للبقاء حتى بمساحة قرية صغيرة، بينما يواصل الرجال استكمال تحقيق أهداف انتفاضتهم ولن يوقفهم شيء حد قوله.

ويرى “مراقبون” أن السعودية والإمارات فشلتا في استغلال مقتل الرجل وانهيار تحالفه مع الحوثيين، من أجل تسريع حسم المعركة مع الحوثيين عسكريا، ما يمكنها من إنهاء الحرب والتخلص من تكلفتها الباهضة، لتستمر معاناة اليمنيين هي الثابت أمام كل تلك المتغيرات السياسية والعسكرية منذ تحالف صالح مع الحوثيين مرورا بمقتله وحتى بعد عام من رحيله.