فضائح بين يدي المحرقة

 زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أكتوبر 1, 2019

بث الحوثيون قبل يومين، عبر وسائل إعلامهم التي باتت أكثر حرفية من إعلام الشرعية والتحالف، بثوا مقاطع مسجلة لما أسموه معركة “نصر من الله” التي وقعت أحداثها كما يقولون في الأراضي السعودية محور نجران، والتي استطاع الحوثيون خلالها السيطرة على مساحة كبيرة من الأراضي السعودية، والقضاء على ثلاثة ألوية عسكرية، والاستيلاء على معداتها الضخمة والحديثة جدا، ناهيك عن حجم الخسائر البشرية التي خسرها جيش الشرعية والجيش السعودية، والتي أقل ما يقال عنها كارثة بكل ما تعنيه الكلمة.

 

لم تكن هذه العملية جديدة، وإنما جرت أحداثها قبل شهر، وتكلم عنها كثير من المتابعين ووسائل الإعلام، وجميعهم أكدوا حينها وقوع معسكر”فتح” الذي يقوده الشيخ السلفي “رداد الهاشمي” في كمين حوثي محكم، قضى فيه كل أفراد المعسكر بين شهيد وجريح وأسير، لكنه لم يرد حينها أي توضيحات أو ردود أفعال من قيادة الجيش أو الشرعية أو القيادة السعودية، فقد كانت الأوضاع حينها في الجنوب تغلي، جراء الإنقلاب الإماراتي على الشرعية، وقصف الجيش الوطني، والذي أظهر حينها أن السعودية متواطئة في كل ذلك.

 

كانت الأخبار يومها تتحدث عن مجندين مدنيين استقدمتهم السعودية للدفاع عن حدودها، معظمهم من أبناء إقليم الجند، وخاصة أبناء تعز، تلك المحافظة التي أمعن التحالف في إذلالها مرتين، مرة عند تركها لحصار الحوثيين منذ ما يقارب خمسة أعوام دون أن يلتفت لمعانات أطفالها ونسائها وشيوخها، وأخرى عندما ساق أبناءها إلى الحدود  للدفاع عن السعودية، ثم يعمل بشكل أو بآخر على استهدافهم.

 

دائما ما يستغل الحوثيون غباء وفشل الشرعية والتحالف فيظهر بطولاته، فقد استغل الحوثيون صمت الشرعية والسعودية تجاه هذه الكارثة لأكثر من شهر، فعملوا على نشر هذه المقاطع، ليظهروا للعالم القوة التي وصلوا إليها على مستوى المعركة البرية، بعد أن أظهروا قبلها قدراتهم العسكرية في تصنيع واستخدام الطائرات المسيرة التي ضربت المنشآت النفطية السعودية في عمق أراضيها، وهو ما سيجعل المجتمع الدولي يحسب للحوثيين حسابا في أي مفاوضات قادمة.

 

ولكن، أليس غريبا أن يسقط اللواء الذي يقوده القائد السلفي دون غيره؟ ولماذا تزامنت هذه الكارثة مع كارثة استهداف الطيران الإماراتي لأفراد الجيش الوطني في عدن؟ ولماذا كان معظم أفراد هذا اللواء من أبناء تعز؟ وما علاقة ذلك بالدعوة التي أطلقها قائد المقاومة التعزية الشيخ حمود المخلافي لأبناء تعز المرابطين على الحدود بالعودة إلى تعز لفك الحصار عن مدينتهم؟

 

في تقديري؛ عندما يكون الحديث عن قيادات “سلفية” في اليمن فيجب أن تتجه الأنظار مباشرة إلى دولة الإمارات، فهي الوحيدة من تملكت رقابهم، وحولتهم إلى أداة رخيصة بيد مندوبها السامي المقيم في عدن، يحركها كالدمى بين يدي المال الإماراتي الغزير.

 

وهكذا عندما يكون الأمر مرتبط بأبناء تعز فإن الأنظار أيضا يجب أن تتجه نحو الإمارات، فالتعزيون من المنظور الإماراتي “أخوان” يجب اجتثاثهم لأنهم يشكلون خطرا على أمنها القومي، خاصة وأن مدينة تعز؛ وكما هو معروف؛ استعصت على الإماراتيين، ولم تستطع تنفيذ مخططاتها كما هو الحال في عدن.

 

فلو رجعنا إلى المعلومات المبثوثة عن معسكر “فتح” الذي وقعت الكارثة عليه، لوجدنا أنه يدار من قبل الشيخ “رداد الهاشمي” وأن المعسكر؛ على الرغم من أن الرئيس هادي هو من أصدر قرار ضمه إلى محور صعدة، وعلى الرغم من أنه يحصل على دعم سخي من السعودية، إلا أن قرارات تحركاته ظلت مرتهنة بيد المندوب السامي الإماراتي.

 

وهنا نستطيع القول إن الإمارات توافر لها عدة مقومات للانتقام من أعدائها التاريخيين، وارتكاب فيهم محرقة تقدمها كهدية انتصار لحلفائها الجدد الحوثيين، فالمعركة على الحدود السعودية، وهي وإن كانت حليفتها إلا أنهى تسعى منذ زمن للإيقاع بها لصالح الإيرانيين، وقد حان الوقت لتحقيق ذلك. والمعسكر ينتمي للشرعية وإن اسما، وقد حان الوقت للانتقام منها، نكاية بما أحدثته من زوبعة لفضح جرائم الإماراتيين، والأفراد معظمهم من تعز، المحافظة التي رفضت الخضوع للمخطط الإماراتي، وقد حان الوقت للانتقام منهم قبل انصياعهم لنداء شيخ المقاومة التعزية حمود المخلافي الذي دعا أبناء تعز المرابطين في الحدود للعودة إلى تعز لفك  الحصار عن مدينتهم، والتي مثلت صاعقة على رؤوس الامارات والسعودية معا. ناهيك عن وجود القائد السلفي على رأس المعسكر، والذي لن يتوانى عن تنفيذ توجيات المقيم السامي الإماراتي في عدن ليفوز بالمال المدنس. كل هذه محفزات تدفع الإماراتيين لارتكاب جريمتهم، وإلقاء تبعاتها على جميع أولئك السعودية والشرعية وأبناء تعز.

 

ولعلنا لا نغالي إن قلنا إن ابن زايد ومندوبه السامي في عدن ينتشيان طربا كلما ضربت الشرعية، أو الجماعات الأخوانية، والتي طبعا يعتبرون تعز (حاضنتهم)، فأي طرب سيتغشاهما وهما يشاهدان ألفي مجند من أبناء تعز يسقطون بين شهيد وجريح وأسير على يد الحوثيين الذين سخرا كل إمكانات دولتهما لدعمهم والوقوف معهم؟!

 

المأساة ليست هنا، فالجميع يعلم أن الإمارات استولت على رقاب القيادات السلفية المنخرطة في الجيش، والجميع يعلم أيضا أن الإمارات يربطها بالحوثيين رباط إيراني يجعلها تذلل لهم كل وسائل النصر، لكن المأساة في رضوخ الشرعية لإبقاء هكذا قيادات سلفية على رأس ألوية جيشها، وهي تعلم أنهم أدوات بيد الإماراتيين الذين أعلنوا منذ زمن بعيد حربهم على الشرعية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى التواطؤ السعودي مع الجانب الإماراتي، وإسنادهم لتنفيذ مخططاتهم التدميرية، حتى وإن كانت تستهدف أرضهم وشعبهم.

 

لقد أثبتت السعودية أنها هي الأخرى متآمرة بشكل جلي على اليمنيين، وأنها أداة رخيصة بيد الإمارات، فالمحرقة وإن خططت لها الإمارات، إلا أن جزءا من مأساتها نفذته السعودية،  فقد رأينا من خلال المقاطع الحوثية كيف استهدف الطيران السعودي من تبقى من المجندين بطائراتها الحربية، الذين فروا من الموت الحوثي ليتلقفهم الموت السعودي.

 

إنها لعمري فضيحة مزلزلة، فأن يسوق قائدٌ ورجل دين أفراده إلى محرقة الموت، ليسلمهم لقمة سائغة لمن يفترض أنهم أعداؤه، بحجة تنفيذه لأوامر من بيده المال، ثم  يفر من أرض المعركة هاربا دون أن يلحقه مكروه؛ فضيحة، وأن تسكت الشرعية على هكذا كارثة دون التحقيق فيها، ومعاقبة الجاني فيها؛ فضيحة، وأن تضرب السعودية من توافدوا لحماية حدودها، جهارا نهارا؛ فضيحة، وأن تدفن الأحزاب السياسية اليمنية وجوهها في التراب للتتكشف سوأتها لمن يرتكب الجرائم في حق شعبها؛ فضيحة.

 

فهل آن الأوان لإيقاف المحارق بحق أبناء اليمن؟ وهل آن للسياسيين أن يكتفوا بما اكتنزوه من مال ثمن متاجرتهم بأرواح ودماء اليمنيين، وينصاعوا لداعي العقل، وينخرطوا في حل سلمي ينقذ من تبقى من اليمنيين؟ ويكون الوطن فوق مصالحهم الضيقة؟