فرصة لن تتكرر

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: نوفمبر 13, 2018

تسير معركة الحديدة بوتيرة متسارعة وغير معهودة من قبل، وكأن ضوءا أخضرا قد حصل عليه التحالف العربي لدعم الشرعية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والأوربيين، ووصلت معها ردة الفعل الحوثي حد التباكي على الوضع، وغير القادر على استيعاب ما يحدث، بل والإيماء بالاعتراف الضمني بسقوط الحديدة بيد الشرعية والتحالف.

فالمعركة التي أضحت معها الميناء على مرمى حجر من قوات الجيش المتاخمة لأحياء المدينة، والتي بات الأهالي المرابطون في منازلهم داخل المدينة يشبهون ما يرون ويسمعون بأهوال يوم القيامة، بالتأكيد لن تسر كثيرا من قادة العالم خاصة أولئك الداعمين لبقاء معركة اليمن على ماهي عليه ليسهل عليهم استحلاب أموال السعودية والخليج، ومنها أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة.

ثمة أمور داعمة لاستمرار معركة التحرير، وإحراز انتصارات كبيرة في الحديدة وغيرها من المدن والجبهات، لو استغلها التحالف واستفاد منها، لأحرز انتصاراته حقيقية، أما إذا أضاعها كما أضاع الفرص السابقة، وما أكثرها، فإنه لن يجد فرصة بعدها أبدا.

فالمبعوث الأممي “غريفثت” الذي بدا وكأنه داعما للتحالف العربي في بداية معركة تحرير الحديدة حينما أجل موعد المشاورات إلى نهاية العام الحالي، لايعدو كونه أراد من خلالها تأديب الحوثيين على مراوغتهم السابقة، والضغط عليهم للخنوع والقبول بالانضمام للمشاورات القادمة، وبإمكانه تغيير مواقفه ببساطة إذا ما شعر أن ذلك سيؤثر على منصبه وعمله.

كما أن الموقف الأمريكي الذي بدا ولأول مرة مباركا لتحركات التحالف في معارك الحسم وخاصة في الحديدة، سرعان ما يتبدل إذا ما أراد “ترامب” ثمنا أكبر، ورأى أن على السعودية أن تدفع اكثر، فالرجل لاتحكمه المبادئ كما تحكمه الأموال.

ولأجل ذلك نقول إن تغاضي كل من “غريفثت” و”ترامب” بالتأكيد لن تطول كثيرا، إذا لم يستغل التحالف الفرصة ويعجل بالحسم، ويقطع دابر الحوثيين من مدينة الحديدة ومينائها.

فالأمم المتحدة التي يمثلها “غريفثت” خرج أمينها العام مؤخرا يتباكى، ويدعو لوقف الحرب، ليس خوفا على المواطنين وإنما خوفا على البنى التحتية في المدينة، والميناء الذي يستقبل بحسب قوله المعونات التي تصل لأكثر من ثمانية ملايين شخص، مع أنه يعلم أن تلك المعونات لا يستفيد منها سوى أقل من 20%  مما ذكر، أما الباقي فتذهب كدعم للحوثيين.

وهكذا هو الموقف الأمريكي الذي يتغير كل يوم مع وقع المعارك، فإذا كان “ترامب” قد صمت حين انطلاق المعركة، فإن صحيفة ك”الواشنطن بوست” الأمريكية قد قامت بالواجب، وتولت مهمة دعم الحوثيين، وأوصلت صوتهم إلى أعضاء الكونجرس والشعب الامريكي، وأتاحت صفحاتها لمحمد علي الحوثي رئيس ما يسمى باللجنة الثورية العليا للحوثيين لنشر مقالاته، ونقل تودده للأمريكان، على أمل أن يؤجج  ذلك الموقف عند الأمريكيين، وصولا إلى حمل “ترامب” على إنهاء تغاضيه، والعودة لممارسة الضغوطات على التحالف لوقف التصعيد والمعارك، وغير بعيد أن يكون “لترامب” نفسه يد في ذلك.

كما أن التباكي الذي خرجت به صحيفة “الجارديان” البريطانية على ما قد تخلفه معركة الحديدة من خسائر، والذي سيتأثر بسببها؛ بحسب الصحيفة؛ أكثر من 600 ألف من سكان المدينة نصفهم من الأطفال، وأن المعركة الدائرة قد تودي بالميناء الذي يدخل عبره 80% من تدفقات الغذاء والوقود والمعونات، لايعدو كونه صدى لذات الهدف الذي حمل الصحيفة الأمريكية” الواشنطن بوست” على نشر مقال “الحوثي”.

ولذلك، على التحالف أن يعي جيدا أن الصمت الدولي لن يطول، وأن التغاضي الذي قبض ثمنه ترامب لايعدو كونه مجرد سكرة سرعان ما تنتهي، ويستيقظ بعدها ضميره اللاإنساني الداعم للحوثيين، فيتدخل بقوة لوقف الحرب، وهو ما بدا واضحا خلال اليومين الماضيين، من خلال الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الأمريكي مع ولي العهد السعودي، والزيارات التي قام بها وزير الخارجية البريطاني للرياض، والتي كلها تشي أن ثمة تغير في المواقف الدولية قد تتوافق على فرض وقف المعارك وبقوة لإنقاذ الحوثيين.

 على التحالف أن يعي ذلك بقوة، فيعمل من أجل التسريع بالحسم، وكفاه استعراضا لحجم التسليح الذي دفع به مع القوات المشاركة في تحرير الحديدة.

كما عليه أن يعي كذلك أن حجم القوات المشاركة في تحرير مدينة الحديدة؛ عددا وعدة؛ تكفي لتحرير كامل الأرض اليمنية من الحوثيين، وليست مدينة الحديدة لوحدها، وفي الوقت ذاته ينبغي عليه أن يعي أن الحوثيين لايملكون قوات نظامية تشارك في معركة الحديدة، وإنما هم عبارة عن أفراد ومجاميع متناثرة في الشوارع والأحياء والبيوت مهمتها إعاقة تقدم الجيش الوطني نحو المدينة، وبإمكان طيران الأباتشي تتبع تواجدهم وفتح الطرقات للقوات للتقدم والسيطرة.

ثم على التحالف أن يعمل على استغلال الانهيارات الحوثية التي وصلوا إليها في جميع الجبهات، والانشقاقات المتوالية للقيادات الحوثية، ومواصلة زخم الانتصارات، وكفى اللعب بمشاعر الناس ودمائهم وأرواحهم، فقد بات النصر قاب قوسين أو أدنى.