“فخ” جدة!!

  محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أكتوبر 9, 2019

منذ شهرين، والمملكة تسعى بكل إمكانياتها، لإخضاع الحكومة للتوقيع على اتفاقية سلام، تضفى الشرعية على مليشيات الامارات، وتبرئ في نهاية المطاف الامارات من جرائمها في اليمن، وقد مارست الرياض كل أشكال الضغوطات على الرئيس هادي عن طريق نائب وزير الدفاع خالد بن سلمان، وعلى الحكومة عبر السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، بهدف التسليم بشكل أعمى برؤية السعودية للحل في عدن، دون وضع أي اعتبار حتى لوعود المملكة نفسها بالحفاظ على وحدة اليمن واستقراره، وهي الجملة التي ترددها الرياض بشكل يناقض أفعالها.

حاليا قدمت السعودية، وفق وكالة رويترز، مسودة اتفاق شبيه ببنوده بالاتفاق الأممي الذي وقع بين الشرعية ومليشيا الحوثي بخصوص الحديدة، وقد تتطابق نتائجه مع نتائج اتفاق “السلم والشراكة” الذي وقع بين الحكومة ومليشيا الحوثي بصنعاء، في 2014، وكأن الرياض تمارس عملية النسخ واللصق لتجارب سابقة ثبت فشلها، و هو ما يظهرها إما مفتقرة للخيال السياسي، أو متواطئة مع الامارات في إضفاء الشرعية على مليشيا الانتقالي، تماما كما أضفت الشرعية على مليشيا الحوثي.

تنص بنود الاتفاق المرتقب، على عدة بنود، أهمها؛ إعادة انتشار للقوات العسكرية، وإنشاء قوة أمنية “محايدة”، ونشر قوات سعودية مؤقتة، ويلحظ أن البند الأول والثاني، منسوخان من اتفاق الحديدة الأممي، بينما البند الثالث يأتي بهدف ضمان تنفيذ البندين الأولين، لكنه في الحقيقة “فخ” لإقناع الحكومة بضرورة الموافقة على الاتفاق، كون السعودية؛ وليست الإمارات، من ستتولى أمر عدن هذه المرة.

فكرة القوة الأمنية المحايدة، والتي ستشرف القوات السعودية على تشكيلها، لا تدلل فقط على أن الرياض تخلت عن وعودها للحكومة باستعادة عدن، بل أيضا على أنها ترغب بإعادة تشكيل خارطة عدن والمناطق المحررة، وفق رؤية سعودية تجعل من الحكومة مجرد ديكور شكلي يضفي الشرعية على تقاسم نفوذ بين الإمارات والمملكة، كما أن قصة إعادة الإنتشار تؤكد أن المناطق المحررة ستدخل نفق جديد من الفوضى.

لفهم خفايا حوار جدة، يمكن النظر إلى التحركات الإماراتية على طول الساحل الغربي الممتد إلى باب المندب، ثم عدن، وقد قامت الامارات خلال الأيام القريبة الماضية بتنفيذ عملي مبكر لبند إعادة الإنتشار الوارد في مسودة اتفاق جدة، حيث نقلت بعض ألوية العمالقة التابعة لها من المخا والخوخة، إلى عدن، وأحلت محلها مليشيا طارق، فيما يشبه عمليات استسلام وتسليم بين مليشياتها.

خارطة إعادة الإنتشار الإماراتية في الساحل الغربي وعدن، تفضي إلى تثبيت وضع جديد تتحكم به الإمارات عبر مليشياتها، فالساحل الغربي من المخا إلى المندب سيصبح بشكل كامل بيد مليشيا طارق، بينما ستعمل ألوية العمالقة التي انسحبت إلى عدن على زيادة تحكم مليشيا الانتقالي في المناطق الجنوبية، وهو ما أفصح عنه بيان ألوية العمالقة، الذي أكد على أنه ذاهب في مهمة حماية عدن من قوى الارهاب، والتي هي وفق التعريف الإماراتي، قوات الحكومة.

ضمن هذا السياق، ما الذي يمكن أن ينتج عن اتفاق جدة، إن وافقت عليه الحكومة؟ .. القوات العسكرية التي سيتم إعادة انتشارها في عدن، هي مليشيا الحزام الأمني ومليشيا العمالقة، بينما ستقوم القوات السعودية بإنشاء قوة أمنية جديدة محايدة!  وأين هي إذا القوات الحكومية، وكيف ستعود الحكومة إلى عدن، ومن سيحميها أو سيسمح لها بممارسة مهامها.

من الطبيعي القول أن وضع الحكومة سيكون أسوأ من وضعها قبيل انقلاب عدن، في حال قبلت بهذا الاتفاق، وواضح أنه يراد من قبول الحكومة بهذا الاتفاق السعودي، إضفاء الشرعية على بقاء المناطق المحررة عمليا خارج نطاق الشرعية، حيث سيصبح المجلس الانتقالي كيانا سياسيا، مشاركا في الحكومة، وربما يصبح مستقبلا ممثلا وحيدا لعدن، وهذه التسوية إن تمت ستجعل اليمن كلها خارج نطاق المرجعيات المعلنة، وربما بعدها ستتدخل الأمم المتحدة لفرض تسوية جديدة، تجعل من الحكومة غطاء شرعيا للمليشيات في الشمال والجنوب.

ولذا فإن واجب الوقت على الشرعية هو الاستمرار في موقفها الرافض لأي عملية تطبيع مع المليشيات في الشمال والجنوب، مع الاستمرار في التصعيد الدبلوماسي في المحافل الدولية، والخروج من فكرة أن السعودية تمتلك قيادة حكيمة لن ترضى بتقسيم اليمن، فهذه القيادة الحكيمة التي تتغنى بها قيادات الحكومة في كل تصريح ومحفل، اوصلت السعودية نفسها لوضع مذل أمام العالم.