“فبراير”.. وسؤال الدولة!

محمد اللطيفي

مع كل ذكرى لثورة فبراير، تطل استفسارات مرتبطة بالنتائج الكارثية التي تعيشها اليمن حاليا، والمتمثلة بالحرب والمأساة الانسانية، وهي النتائج التي يصر البعض؛ بحسن نية وبسوئها، على تحميل ثورة فبراير وزرها.

أولى هذه الاستفسارات وأهمها، سؤال الدولة؟ التي كما يقال وعدت بالاجابة عليه الثورة؛ أو بالأصح وعد ثوارها، ومن هنا كان لا بد من إيضاح العلاقة الملتبسة بين الثورة والدولة، وهل حقا وعدت “فبراير” اليمنيين باعطائهم الدولة، ومن يتحمل مسؤولية ذهاب اليمن بعيدا عن “وعد الدولة”.

ابتداء لا بد من الإشارة إلى أن الثورة تتميز طبيعتها بالفجائية، تأتي بغتة ولا تستأذن أحد، ولأنها كذلك، لا تقدم وعودا، وهي عكسا للمتوقع منها، تبدأ كفعل وتنتهي كفكرة، بمعنى آخر هي تقوم بفعل “الهدم”؛ هدم النظام، وتخلق المناخ المناسب لفكرة البناء؛ بناء الدولة.

بالمجيء إلى ثورات الربيع العربي، فإن هذه الثورات قامت بمهمتها، لقد هدمت أنظمة استبداد واسقطت عروش مستبدين، وكان من المفترض أن يتفرغ الثوار لمهمة بناء الدولة، لكن ذلك لم يحدث لأسباب بعضها مرتبط بالثوار أنفسهم، وأخرى متعلق بخصوم الربيع العربي.

كانت النقطة المهمة المتعلقة بسؤال الدولة، والتي أسيء فهمها، هل النضال الثوري التالي لسقوط النظام، يتطلب “استعادة الدولة” أم “بناؤها”؟.. وهذا التفريق لم يكن واضحا لدى ثوار الربيع، وكان أغلبهم يتحدث عن الإستعادة وليس عن البناء، أو يخلط بين طبيعة كل منهما.

تستلزم فكرة “استعادة الدولة”، وجود دولة سابقة لزمن الثورة، لكن “بناء الدولة” يعني بالضرورة غيابها عن المشهد السياسي السابق للثورة، وبالنظر إلى الشعار الذي رفعه “الربيع العربي”؛ “الشعب يريد اسقاط النظام”؛ وليس “الدولة”، ولذا فإن الثورة التي تفجرت تحت هذا الشعار، فتحت الطريق نحو “بناء الدولة”، فلو كانت توجد “دولة”، لما كان هناك داع لتفجر الثورة من أساسها.

سياسيا، تنشأ مرحلة أولى تتبع سقوط الأنظمة، تعرف بالانتقال الديمقراطي، وهي مرحلة تمهد الطريق لمرحلة ثانية؛ بناء الدولة، وعربيا لم تكن النخب السياسية التي تسلمت زمام الحديث باسم الثورات، تمتلك الوعي الكافي بـ”الثقافة الانتقالية”، ولذا سارت نتائج مرحلة “الانتقال الديمقراطي” التي سادت بعد الثورات، بعيدا عن مرحلة “بناء الدولة”، باتجاه يعيد الأنظمة السابقة أو يناصفها السلطة مع قوى الثورة، ما أدى إلى دخول بلدات الثورات في انقلابات وصراعات وحروب.

في اليمن، تفجرت ثورة فبراير (2011)، بوعي سياسي شعبي مدرك لغياب الدولة، ووجود نظام فردي وسلطة تتستر برداء الجمهورية، ولذا رفع الشارع الثوري من البداية شعار “إسقاط النظام”، متجاوزا وعي النخب السياسية التي ظلت متثبتة بشعار “إصلاح النظام”، ومع انضمام النخبة السياسية المنتمية للقاء المشترك لصف الثورة، تحكم “الوعي الحزبي” بالخطاب السياسي للثورة، وأضحت فكرة استعادة الدولة مقدمة على بنائها، مع ملاحظة أن الدولة في الذهنية السياسية لنخب المشترك، ليست سوى السلطة.

يمكن القول أن الصراع (الثوري – الحزبي) داخل ساحات ثورة فبراير، حول استعادة الدولة أو بنائها؟ كان جليا خلال (2012- والنصف الأول من 2014)، لقد كان بناء الدولة يستدعي عزلا سياسيا لصالح وأركان نظامه، وعدالة انتقالية قانونية، وحوار وطني يستند إلى فكرة سيادة الدولة وليس محاصصة السلطة، وهو ما ظلت قلة من النخبة الثورية الشابة تحاول التمسك به.

لقد ذهبت نخب المشترك باتجاه القبول بالمبادرة الخليجية التي أعطت صالح الحصانة من العقاب، متنازلة عن فكرتي العزل السياسي والعدالة الانتقالية القانونية، وهو ما أثر بوضوح في بنية الحوار الوطني الذي؛ ورغم أهميته، ركز على استعادة السلطة وتقاسم الثروة.

وهو ما دل على أن النخب السياسية التي مثلت “الثورة”، في الحكومة التوافقية أو في الحوار الوطني، لم تكن لديها الإجابة لسؤال مهم.. لماذا قامت الثورة؟، ولم تكن تمتلك الثقافة السياسية الكافية للتفريق بين الدولة والسلطة، وبالتالي بين استعادة الدولة وبنائها.. ومن هنا فإن سؤال الدولة لا تجيب عليه الثورة، بل نخبها، لقد أتت الثورة وأدت مهمتها؛ اسقاط النظام، ورحلت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى