فاسدون يدعون محاربة الفساد

يبدو أن حمى الاحتجاجات التي انطلقت في العراق ولبنان وصلت حرارتها سريعا إلى جماعة الحوثي في اليمن، فبدأت تتحسس رأسها مخافة أن يصل ذلك المد الذي انطلق بقوة ولن يستثني أحدا، بما فيهم القيادات الشيعية التي اتخذت من ادعاء قرابتها ببيت النبي حصانا يوصلها إلى السلطة، ومن خلالها ترفس الشعوب العربية المسلمة لتلقيهم في غيابة جب لا قعر له.

ففي بادرة مضحكة لمحاولة الالتواء على التوجه العربي لاكتساج المد الشيعي المطبق على المنطقة، طالعتنا وسائل إعلام الجماعة الحوثية من صنعاء بحديث لما يسمى رئيس مجلسها السياسي “مهدي المشاط” وهو يتباكى على مظلومية الشعب اليمني، ويصفه بأنه “رأس المال الأهم الذي يجب خدمته ورعايته وحمايته من كل أشكال الابتزاز والاستغلال والفساد”، ويؤكد للشعب المغلوب على أمره أنه منحازا للسواد الأعظم من أبناء اليمن، يؤلمه ما يؤلمهم ولا يستطيع أن يتغاضى عن هموم الناس من أصغرها وحتى أكبرها!

يا الله أي رحمة هذه التي ظهرت في قلوب الجماعة فجأة! وأي حب نزل على قلوبهم وخناجرهم لازالت مغروسة في قلوب اليمنيين!

وأكثر من ذلك، فالرحمة التي هبطت فجأة في نفوس الجماعة دفعتهم للإعلان للموظفين الواقعين تحت سلطتهم بصرف نصف راتب بمناسبة المولد الشريف الذي حولته إلى موسم للفساد ونهب أموال الشعب، ونشرت في أوساط العامة أن الجماعة تدرس عملية صرف نصف راتب بصورة شهرية لأولئك الموظفين الذين باتوا يتطلعون لذبك النصف كل ستة أشهر.

هذا التوجه بالتأكيد ليس من باب الرحمة، فالجماعة ليس لديها ذرة من رحمة على اليمنيين، لكنه؛ وإن كان نبيلا؛ لا يعدوا كونه حقا أرادوا به باطلا، فالجماعة أرادت من خلال هكذا تباكي وهكذا رحمة بالموظفين  تخفيف الغضب الشعبي الذي قد ينفجر في وجه الجماعة إذا ما نجحت الاحتجاجات العراقية أو اللبنانية.

والغريب أن رئيس المجلس السياسي الذي تباكى على اليمنيين، ونادى بحمايتهم من الفساد المتجذر في المؤسسات، لم يكتب له يوما أن زار مؤسسة حكومية، أو استقبل موظفين حكوميين، أو حتى لقي من يشكو إليه الفساد، فقد اتخذ من سيده قدوة اختبأ فيها في بدرومات صنعاء التي تحولت بقدرة قادر إلى أملاك حصرية للجماعة في غضون خمس سنين عجاف من حكم الجماعة.

وكما أثارت تلك الدعوة سخرية اليمنيين، فقد أثارت أيضا سخرية البرلماني اليمني المتحوث عبده بشر، فشن هجوما حادا على جماعته عقب تلك الدعوة، ورأى فيها  مزايدة على الشعب، بينما ينغمس صاحب الدعوة وأفراد الجماعة في الفساد من رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم.

عن أي فساد يتحدثون؟ وعن أي مظالم يزعمون؟ الفساد ياسادة يكمن تحت عباءاتكم الملطخة بدماء اليمنيين، وأجسادكم المشوهة جراء لعنات الشعب اليمني الذي عظمت مظلمته على أيديكم.

إن من يدعي كذبا أنه يسعى لرفع الظلم عن الشعب هو نفسه من يكرس الظلم ويشرعنه لجماعته.

فتشوا في الوظيفة العامة، ومعسكرات الجيش، والمناطق الأمنية، والدوائر الحكومية، من ترونهم يتعينون في المناصب العليا؟ والوظائف المالية؟ إنهم حثالات الشعب ممن يدعون أنهم هاشميون، أما من لا ينتسب إلى الهاشميين فمصيره الشارع، أو البيت، أو السجون.

 ولقد عجبت وأنا أشاهد تلفزيونات الجماعة وهم ينقلون لقاء مسجلا ظهر فيه مدير مكتب رئاسة جمهورية الجماعة “أحمد حامد” وهو يوعظ الشعب اليمني المغلوب على أمره، وينادي بحمايته من الفساد، ورفع المظالم عنه، فتذكرت قصيدة الثعلب الذي أوردها أمير الشعراء أحمد شوقي في ديوانه، وكيف تقمص الثعلب الماكر لباس الواعظين، فأخذ يوعظ الدجاج بينما يرمق بعينيه الدجاجة الدسمة ليبدأ بالانقضاض عليها.

اسألوا عن وظيفة هذا الثعلب الماكر، لتعرفوا أنه يتولى عشرات المناصب في وقت واحد في دولة الحوثي، فهو مدير مكتب رئاسة جمهوريتهم، والرئيس التنفيذي لكل الصناديق الإيرادية التي هي بالعشرات، ورئيس مجلس إدارة هيئة الإغاثة الإنسانية التي أنشئت خصيصا لنهب المساعدات الإنسانية المقدمة من المنظمات الدولية، والمشرف على رئيس الحكومة، والبنوك الحكومية، والمؤسسات الإيرادية، ووسائل الإعلام الحكومية والخاصة، والمالك الحصري للتعيينات في الوظيفة العامة، والمخطط الفعلي لإحلال جماعته بدلا عن الموظفين اليمنيين.

فتشوا في براميل القمامة القريبة من مكتبه، فستجدوا فيها الأكوام الهائلة من معاملات اليمنيين ممن ليسو بهاشميين مرمية فيها، أما معاملات الهاشميين فإنه يقوم بتغليفها في ملفات خضراء، ليحملها طقم أخضر، ويتولى تنفيذها مليشيات خضر، بختم ممهور باللون الأخضر!

بالتأكيد هنالك فساد في المؤسسات الحكومية عندما كانت هذه المؤسسات تعمل، ويجد بعض الموظفين فيها فسحة للاحتكاك بأصحاب الأعمال المنفذين للمشاريع، غير أنها بعد وصول الجماعة إلى السلطة لم يعد فيها شيئ صالح للعمل سوى مستحقات المشرفين الحوثيين الباهظة التي حلت محل مخصصات المشاريع الخدمية ومرتبات الموظفين.

إن الفساد الذي يريدون محاربته يكمن في اجتثاث من تبقى من الموظفين اليمنيين ممن ليسو بهاشميين، أما مليشياتهم فقد منحوهم حصانة ربانية، يسرقون ما يريدون، وينهبون ما يريدون، ويقتلون من يريدون، بلا حسيب أو رقيب.

 فهل سيطول هذا الوضع؟ أم أن أبناء العراق وأبناء لبنان سيشكلون القدوة الحسنة لأبناء اليمن!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى