غرافيتي صنعاء: قصة حرب وألم

اليمن نت- العربي الجديد

أصبحت جدران العاصمة اليمنية صنعاء، منذ ثورة فبراير/ شباط 2011، ملاذاً متاحاً للكثير من رسّامي الغرافيتي؛ للتعبير عن موقف سياسي أو حقوقي أو اجتماعي. لكنها اتخذت مساراً جديداً منذ بدء حرب التحالف على اليمن في عام 2015، إذ تحوّلت إلى صور حية تحكي المآسي والآلام التي خلّفتها الحرب المستمرة في البلد الفقير. الغرافيتي، محمد عبد الوهاب، واحد من الفنانين الذين أثّرت الحرب بملامح أعمالهم، فغدت لوحاته الجدارية “تحمل تطلعات الجانب الإنساني الناتج من الحرب، وتعكس صراعاته ومعاناته”، كما يقول، ويضيف في حديث إلى “العربي الجديد” أنها “تعرض كل ما يختلج في وجدان كل من حولي”. وعلى رغم الصعوبات التي يواجهها الغرافيتي اليمني، من الناحية المادية أو الرعاية والاهتمام من قبل الدولة والمجتمع معاً، لا يخلو شارع من شوارع المدينة من جدار يحمل قصة أو رأياً أو الاثنين معاً. وإن كان ثمة عشوائية، فإن المضمون عموماً لا يمرّ دون أن يكون له ارتباط بالحرب، وفي كثير من الأوقات يشير إلى الدور الأميركي والإسرائيلي فيها.

ملامح حرب
الدكتورة ابتسام المتوكل، أستاذة اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة صنعاء، تقول إن “الحرب محطة فاصلة لا بد أن تؤثر في الفنان وتصبغ بدمويتها ومآسيها ريشته وكلماته، ومن الطبيعي أن تؤثر حرب بحجم الحرب العدوانية على اليمن، في ريشة الفنان، فقد مورست فيها جرائم لم تكن تخطر ببال”. وتضيف في حديث إلى “العربي الجديد”: “حضور جرائم الحرب ومآسيها في الأعمال الإبداعية لا يُعَدّ مشكلة ولا ميزة إلا بقدر فشل المبدع أو نجاحه؛ فهناك جداريات مائزة وأخرى مباشرة”، مشيرة إلى أن الجانب الواقعي الذي يقترب في بعض الأحيان من التسجيلي يغلب على مواضيع رسومات الجدران.

ويرى الصحافي أحمد الأغبري، أن “ازدياد الاهتمام بفن الغرافيتي خلال الحرب يأتي لدوره الفاعل في إيصال الرسائل إلى أكبر قدر من الناس، وتمكينهم من التعرض له بشكل متواصل، ما يجعل من تأثيره مضموناً، وهو أمر لا يقتصر على لوحات هذا الفن، بل صار يشمل الشعارات السياسية أيضاً”. يضيف الأغبري لـ”العربي الجديد”: “إنه فن يتيح لجميع الناس ممارسته والتعرض لثقافته التي يجب أن تكون جمالية، ولا سيما عندما تكون حملات توفِّر الخدمات، وتستهدف استنطاق رؤى الناس وتعزيز علاقتهم بالفن بمساعدة محترفين”. ويشير الصحافي اليمني إلى دور الأعمال الجمالية والتوعوية في تجميل الجدران التي تأثرت سلباً بالحرب، لكن من خلال التوظيف الواعي لهذا الفن، بما يسهم في تحويل معالم الحرب إلى معالم فنية رساليّة.

قيمة فنية
وتكمن قيمة هذا الفن “بصرف النظر عن استخدامه في زمن الحرب، في أنه يأتي بالفن إلى الناس وليس العكس، من خلال تجاوزه جدران الصالات المغلقة واقتصاره على النخبة إلى إتاحته للعامة، وبهذا يسهم في إيصال رسائل الفن إلى الجميع، فضلاً عن ديمومة تلك الأعمال وتجدد استلهامها، والإسهام من خلالها في تجميل الجدران الصامتة وتحويل الشوارع إلى حوامل فنية وجمالية بما يعزز من ثقافة الجمال الفن”، على تعبير الصحافي الأغبري، الذي يرى أن قيمته تزداد في المراحل الصعبة كالحروب، خاصة عندما يكون محتوى تلك الأعمال رفيعاً وهادفاً، وكان تقديمها بشكل احترافي. ويشكل نقل الفن من “الغاليريهات” وقاعات العرض إلى الشارع، انفتاحاً على جمهور الشعب واتصالاً مباشراً بالمواطن العادي، كما ترى الدكتورة المتوكل، وتضيف: “للصورة قدرة مذهلة على الوصول إلى الجمهور، والغرافيتي يعطي لكل واحد منهم الحق والقدرة على الوصول إلى المغزى الجمالي والدلالي للعمل، كلٌّ بحسب فهمه وثقافته وخياله”. من ناحيته، يرى الفنان التشكيلي اليمني، ردفان المحمدي، أن الرسم على الجدران أسرع وسيلة لمخاطبة المجتمعات، لأن الجميع يخرج إلى الشارع، وهذا يمثّل قيمة أساسية لتوصيل المضمون. ويضيف المحمدي لـ”العربي الجديد” أن “القيمة الفنية للرسم بشكل عام تتمثل بالرسالة الهادفة في مضمونها والجمالية البصرية في شكلها، سواء كانت على جدار أو على لوحة فنية، تُعرَض في قاعات مغلقة”.

حضور نسوي
ولعل أبرز ما يمكن ملاحظته من خلال انتشار الغرافيتي في الآونة الأخيرة، الدور الكبير الذي لعبته المرأة في التعبير عن هويتها ووضعها الاجتماعي وما يتجاوز ذلك، إلى حضورها في التعبير عن هموم الشعب وتطلعاته وتأثير الحرب بكافة جوانب الحياة في البلاد، إذْ “جسدت مظلومية شعبها من خلال لمسات ريشتها وألوانها الزاهية في مشهد جمالي مؤلم، وأوصلت من خلال الفن العديد من الرسائل التي أبرزت جرائم التحالف والوسائل التي استخدمها في عدوانه على الشعب اليمني” بحسب هناء العلوي، وكيلة قطاع المرأة في وزارة الشباب والرياضة بحكومة الإنقاذ الوطني في صنعاء. وتقول العلوي لـ “العربي الجديد”: “قدمت المرأة أعمالاً تعرض ما خلّفه التحالف من قتل وتدمير للبنية التحتية وحصار خانق طاول حتى لقمة العيش، كما رسمت ملامح آثاره السلبية على الأطفال والنساء، وكان لانعدام الأدوية واحتجاز المشتقات النفطية وإغلاق مطار صنعاء الدولي نصيب من ذلك”. وفي جدران صنعاء صورٌ تعرض الوضع الذي وصلت إليه المرأة اليمنية من فقر ومجاعة، تقدّمها وهي تواجه البرد والمرض في مخيّمات النزوح، أو تحمل أشلاء أطفالها بين يديها، أو تواجه التعنيف ضدها وتقاوم ظاهرة زواج القاصرات التي زادت نسبتها في سنوات الحرب على اليمن. ولكي يستمر دور المرأة، ترى العلوي أنها بحاجة إلى الدعم المالي والاهتمام المعنوي من قبل الدولة، وإلى مزيد من تسهيل المهام والأنشطة وتأهيلها بشكل ينمّي إبداعها وقدراتها، ويجعل ما يرسم على الجدران أكثر قدرة على التأثير وأكثر جمالاً مما هو عليه اليوم.

قصص حيّة
ويقول المحمدي إن ما يرسم على الجدران في بعض الأحيان، ضوضاء ورؤية بصرية سيئة؛ فليس كل ما يرسم فيها إيجابياً، وهو ما يستدعي الحاجة إلى الغربلة، ويردف: “ليس كل جدار متاحاً للتجارب. نحتاج إلى رقابة على الرسومات التي تحسن من جمالية المدينة”. وباعتبار الغرافيتي فناً يعتمد على الطلاء السائل والبخاخ، فإن الأغبري يرى أنه بحاجة إلى مساحات تكون عرضة للعيون، لأن النتائج قد تكون سلبية إن لم تكن الأعمال مدروسة وهادفة”. بينما ترى المتوكل أن المباشرة والتسطيح في بعض هذه الأعمال من أبرز عيوب هذا النوع من التواصل الفني الذي يحتاج إلى دعم وتطوير وورش عمل لمبدعيه.

ورغم كل ذلك، يظل غرافيتي صنعاء صورة حية تعرض قصص شعب يعاني من ويلات حرب التحالف، منذ ما يقارب خمس سنوات، وتسرد آلامه وتطلعاته، بل وتحاكي واقعه الصعب الذي بات، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، أسوأ أزمة إنسانية معاصرة في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى