عن بن دغر وخليفته وتحديات الحكومة ودور التحالف

مأرب الورد
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أكتوبر 16, 2018

في خطوة مفاجأة نوعا ما، أصدر الرئيس هادي قرارا جمهوريا قضى بإقالة رئيس الحكومة أحمد عبيد بن دغر وإحالته للتحقيق وتعيين وزير الأشغال معين عبدالملك بدلا عنه ومحافظ حضرموت السابق سالم الخنبشي نائبا له.

وجاء في تبريرات القرار أن الحكومة فشلت في العديد من المجالات الاقتصادية والخدمية مثل انهيار العملة التي تجاوزت حاجز ال٧٠٠ ريال للدولار الواحد ونتج عنها ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والطبية والمشتقات النفطية.

وبدا لافتا أن الرئيس حمّل الحكومة مسؤولية تعثر الشرعية خلال الفترة الماضية وفي ذلك جانب من الصحة لكن هذا ينسحب على الرئاسة نفسها التي تقيم في الخارج كالحكومة أغلب الوقت ولم ترتق إلى مستوى المرحلة وتطلعات الشعب الذي يعاني من أكبر أزمة إنسانية في العالم.

يمكن العثور على مؤشرات فشل الحكومة في غيابها أغلب الوقت خارج البلد مع التأكيد على أن التحالف وتحديدا الإمارات التي تسيطر أمنيا على عدن تتحمل المسؤولية الكبرى في هذا الأمر، لأنها لم تسمح لقيادة الشرعية رئاسة وحكومة في القيام بمهامها من العاصمة المؤقتة مع أنها تقول إنها تدعمها، وهو تناقض ليس غريبا على هذه الدولة التي تنتهج هذا الأسلوب.

ولعل المؤشر الثاني يكمن في العجز عن الانتظام بصرف رواتب الموظفين المدنيين، لكن الإنصاف يقتضي القول إن الحكومة هي من عملت على صرف الرواتب لمائة ألف موظف مدني بخلاف ضعفهم تقريبا في الجيش والأمن بحسب بن دغر في مقابلة صحافية.

وحتى في بقية المؤشرات مثل الفشل في توحيد الأجهزة الأمنية بعدن أو تشغيل المطارات والموانئ ومنع عمليات الاغتيال لا تتحمله الحكومة وحدها كونها غير مسيطرة على الأرض ولا تتمتع بالقرار الكامل في إدارة المناطق المحررة، وهو ما يجعل التحالف شريكا في المسؤولية ويثبت أنه لا يدعم الشرعية كما يجب ولا  استعادة الدولة.

لكن بالتأكيد هناك فشل تتحمله الحكومة بشكل كبير مثل حالات الفساد والتعيينات غير القانونية وغياب الشفافية في التعاطي مع الشأن الاقتصادي، مع أن أي فشل يمكن تحميله للحكومة ينطبق على الرئاسة أيضا.

ومثل أي حكومة لها انجازات واخفاقات، فإن مما يُحسب للحكومة أنها استأنفت جزئيا تصدير النفط العام الماضي وهو ما وفر لها ٩٠٠ مليون دولار لكنها واجهت عراقيل من التحالف لتصدير كامل بما في ذلك الغاز المسال، بعدما رفضت القوات الإماراتية تسليم منشأة بلحاف لتصدير الغاز على البحر العربي والسماح للشركات المستثمرة بالعودة، وأوعزت لوكلائها المحليين في قوات “النخبة الشبوانية” بالسيطرة على ميناء النشيمة النفطي بشبوة، ضمن خطتها الرامية لحرمان الحكومة من مصادرها المالية وإفشالها لتبرير تغييرها.

ومما يجب ذكره في هذا المقام أن بن دغر نجح في إدارة أزمتي عدن وسقطرى مع التحالف بذكاء وحكمة وثبات نتيجة تواجده على الأرض وتقديره لأهمية النجاح في هذين الملفين لمستقبل الشرعية، ولعل هذا وغيره من المواقف أزعج السعودية والإمارات معا لأنهما تريدان رجلا يقبل كل شيء دون اعتراض أو إبداء رأي في قضية معينة.

ولهذا فقد تكررت تسريبات إقالة بن دغر طوال الفترة الماضية وحاولت أبو ظبي عبر وكلائها المعروفين باسم “المجلس الانتقالي” و “الحزام الأمني” الإطاحة بالحكومة بالقوة بمحاولة انقلابية في عدن مطلع العام الماضي، ولم تنجح وعاودت الكرة لاحقا حتى تحقق لها وللسعودية أخيرا باختيار معين عبدالملك رئيسا جديدا للحكومة وهو قريب من السفير السعودي لدى اليمن ولم يصدر عنه موقف سلبي ضد الإمارات.

كان اللافت أكثر بقرار الإقالة تضمنه إحالة بن دغر للتحقيق وهو ما لم يحدث مع بحاح عندما أقيل وقد كان على خلاف مع هادي وارتكب ما يستوجب هذه الخطوة، الأمر الذي رأه البعض محاولة من الرئيس للقضاء على أي مستقبل حكومي لبن دغر بعد تقديمه كرجل فاشل دون الاعتراف بما يُحسب له من انجازات.

إن تعامل هادي مع بن دغر بهذا الشكل فيه تنكر لولائه له الذي يعرفه المقربون ويلمسه من تابع إدارته للأزمات مع التحالف والتي كان يحاول فيها رئيس الحكومة فرض سلطة الرئيس ولكن من يعرف هادي سيدرك أنه ينزعج من أي شخص يفرض نفسه في الميدان حتى لو كان مواليا له، وهو ما يثير الحيرة والتساؤلات.

وعلى ما يبدو أن رغبة بن دغر في تولي قيادة المؤتمر وتعزيز علاقته بقيادات الحزب في الداخل والخارج تصطدم بمحاولات هادي إحكام قبضته على المؤتمر رغم معارضة جناح هادي المدعوم من أبو ظبي، قد تكون من أبرز دوافع قرار الإقالة.

وبغض النظر عن الأسباب والدوافع، فإن عوامل فشل حكومة بن دغر ما تزال باقية في طريق خليفته ما لم يغيّر التحالف نهجه ويسمح له بإدارة موارد الدولة وتصدير كامل للنفط والغاز والعمل بحرية من عدن وبقية المناطق دون مضايقات، ودعم البنك المركزي بودائع بثلاثة مليار دولار ليتمكن من تحقيق استقرار اقتصادي مقبول.

صحيح أن تغيير بعض الوزراء الذين فشلوا أو هم بحاجة للتغيير خطوة مهمة، لكن الأهم إرادة رئيس الحكومة الجديد في تحقيق شيء ملموس يُحسب له وهو من يستطيع تحسين أداء أعضاء حكومته بالتقييم والمحاسبة، فضلا عن موقف التحالف نفسه من الحكومة وهل سيتغير مع مجيء رئيس جديد وما نوع هذا التعامل إن حصل، وهذه الأسئلة وغيرها هي من ستحدد نجاح أو فشل الحكومة.