عندما تسيل الدماء تكتشف حقائق المجرمين

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أكتوبر 29, 2018

أججت الجريمة البشعة التي ارتكبتها السعودية في حق مواطنها الصحفي جمال خاشقجي بقنصليتها في اسطنبول مشاعر العالم كله، على المستوى الرسمي والشعبي معا، وبات الجميع يتحدث عنها كجريمة ليس لها نظير في التاريخ.

ولاشك أنها جريمة كبيرة بكل المقاييس، وما يخفف من وطأتها سوى أنها كشفت القناع عن النظام السعودي، وفضحت ممارساته الإجرامية التي اتخذها سلوكا ممنهجا لتعزيز بقائه على كرسي الحكم، وأظهرت خلالها الملك وولي عهده وكل مسئولي المملكة عاجزين عن تجاوز الأزمة التي عصفت بنظامهم السياسي، ولم يستطع المال السعودي الذي اعتادوا على استخدامه في شراء ذمم رؤساء الأنظمة والمنظمات الغربية كلما وقعوا في مصيبة، أو اقترفوا جريمة بشعة، أن ينتشلهم من ورطتهم هذه.

هكذا أظهرتهم هذه الجريمة، صغيرين بحجم الفأر، يتوسلون (ترامب)، ويستجدون (أردوغان)، ونسوا أنهم أمام جريمة قتل شخص واحد هو أصلا أحد مواطنيهم، وما أكثر أولئك المواطنين السعوديين الذين قتلوا في الأراضي السعودية من الأجهزة الأمنية، وبدم بارد، ولم يجدوا من يتحدث عنهم، أو يكشف ملابسات قتلهم، ولو لم ترتكب جريمة (خاشقجي) في الأراضي التركية للحقت قضيته بسابقاتها.

والسؤال هل لهذه الجريمة ارتباط بجرائم السعودية التي ارتكبتها ولازالت ترتكبها في اليمن؟

بألم وحرقة يتحدث اليمنيون عن هذه الجريمة، فيقولون إن فضيحة السعودية بخاشقجي وراءها الدماء اليمنية المسفوكة على مدى السنين الماضية.

فكم من قلب تفطر ألما لفراق حبيبه، وكم من امرأة ماتت كمدا لفراق أطفالها، أو ترملت بفراق زوجها، وكم من أسرة ضاعت بفراق عائلها، وكم من شيخ هده الألم بفراق أسرته، وتدمير منزله أو متجره أو فريته أو مدينته؟!

بالتأكيد، إن غزارة الدماء، وكثافة الأشلاء التي سفكتها ومزقتها الطائرات السعودية في اليمن، والقرى والمدن التي دمرتها، كل ذلك مدعاة لأن يفضح الله جرائم السعودية، وفي من؟ في شخص هو أحد مواطنيها، وكان بمقدورها استدراجه لقتله دون علم أحد، لكنها إرادة الله.

ولكن، إذا تفاعل الرئيس التركي مع قضية خاشقجي فإن قضية اليمن، أرضها وإنسانها، لم تجد (أردوغانا) يتفاعل مع قضيتهم، ويتساءل عن أسباب قتلهم، وتدمير بلادهم، مع أن القتل والتدمير الذي طال اليمنيين واضح للعيان، ولايحتاج لكاميرات مراقبة حتى تستخرج منها التسجيلات.

ولم تكتف السعودية بهكذا قتل وتدمير، لمن لاذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم في بلد مجاور للسعودية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فمن نجّاه الله من القتل جراء الحرب العسكرية، افتعلت فيهم السعودية حربا اقتصادية دفعت بهم قسرا إلى مجاعة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، والتي بات العالم كله يحذر منها، دون أن يمتلك القدرة على إيقافها.

وإذا كانت السعودية قد أمعنت فعل ذلك بدولة وشعب بأكمله، فلا غرابة من قتل المواطن السعودي (خاشقجي) بتلك الوحشية التي تبرأ من بشاعتها إبليس نفسه.

لقد استخدم السعوديون مالهم في القضية اليمنية ليس لانتشال اليمنيين من المجاعة والفقر والمرض، وإنما استخدمته في شراء الأسلحة التي تدمر بها اليمن وتقتل بها كل اليمنيين، واستخدمته أيضا لتصم آذان العالم من أن يسمع أنين اليمنيين، ويغطي على أعينهم، فلايرون بشاعة المجازر اليومية التي تحل بشعب بأكمله.

والغريب أن السعودية التي استطاعت أن تشتري بمالها العالم كله في القضية اليمنية، عجزت اليوم عن شرائه لتغطية جريمة مواطنها.

 ولسنا نعلم، هل أنه من حسن حظ خاشقجي أن جريمة مقتله جاءت في بلد كتركيا؛ أم أنه من سوء حظ النظام السعودي أنه ارتكب جريمته في تركيا؟

وأي كان حسن حظ خاشقجي أم سوء حظ النظام السعودي، فالعالم كله انتفض تجاه هذه الجريمة، وصحا ضميره، وتباكت كثير من وسائل الإعلام الإقليمية والدولية على خاشقجي، وطالب الجميع بكشف الحقيقة، ومحاسبة المجرمين، ليس حبا في خاشقجي، فالعالم لايعني له الإنسان العربي شيئا، وإنما لفضح النظام السعودي، والتهام المليارات من الدولارات التي يكتنزها.

صحا العالم اليوم لمقتل خاشقجي، وفي تقديري لم يصح من تلقاء نفسه، وإنما أصحته اليقظة التركية، ونباهة رجال الأمن التركي، وحزم الرئيس التركي.