عشرة أيام قبل الزفة

ياسين التميمي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يونيو 7, 2019

أثارت تهديدات عناصر متطرفة في كل من تعز وعدن ضد عرض أول فيلم سينمائي يمني اجتماعي، أسئلة عديدة بشان هذا القدر من العبث الذي لا يزال يغمر الحياة في اليمن، وكأن الحرب والموت والدمار وحدها لا تكفي لإيقاظ الإنسان الطبيعي في هؤلاء الذين ألقت بهم الأقدار في طريق اليمنيين فأفسدوا عليهم حياتهم وجففوها وأفقدوها معانيها الجميلة.

لست مهتماً بهذا الفيلم إلا من حيث هو محاولة رائعة من مبدعين يمنيين يحاولون أن يرسموا البهجة في وجوه الناس وشق طريق مختلف عن هذا الطريق المحفوف بالقتل والخراب، وبث الأمل بأن هناك شباب يحاولون الدفاع عن القيمة الإنسانية وسط كل هذه المهددات.

عدا ذلك فهذا الفيلم مثله مثل أي عمل فني يحتاج إلى النقد الإيجابي الذي قد ينصرف إلى مضمونه أو طريقة إعداده وتنفيذه، وأداء أبطاله ومستواه التقني، ويمكن لأي كان أن ينقد المضمون الأخلاقي للفيلم ضمن حدود القانون.

لقد أستفزتني هذه الجلبة التي أحدثها البعض بشأن هذه الفيلم، في وقت تتعاضم ماساة اليمنيين جراء الحرب، والذي أثبت من خلاله أنه لديه الاستعداد للاستمرار في مواصلة فرض مشروع التطرف الوهابي في الديار اليمنية، بعد أن نجح قبل ذلك في تحويل حياة اليمنيين إلى جحيم طيلة العقود الماضية من زمن الهيمنة السعودية على القرار السياسي في اليمن، عبر تبني مواقف متطرفة من القضايا التي تتعلق بمستقبل اليمن المستمر والمزدهر وفي مقدمتها: الديمقراطية والانتخابات والتداول السلمي للسلطة في بلد يسوده نظام جمهوري تعددي.

هؤلاء أنفسهم وقفوا وبإيعاز من الأجندة السياسية ذاتها، ضد دستور دولة الوحدة ووصفوه بالدستور العلماني، وبعضهم بحسن نية أو بسوء قصد، مضى خلف أجندة الشقيقة الكبرى المتوجسة من الوحدة، والتي كانت ترغب في عدم ذهاب اليمنيين إلى مدى أبعد في تبني خيار الديمقراطية، بعد أن نجحوا في استعادة وحدتهم، حتى لا تتحول اليمن إلى مصدر للعدوى، تماماً كما فعلوا مع ربيع اليمن فيما بعد والذي أجهضوه خوفاً من العدوى ذاتها عبر ثورة مضادة سيئة هي المسؤولة عن الخراب الذي يعصف باليمن منذ أكثر من خمسة أعوام.

هذه المرة ينبري ما تبقى من حاملي مشروع التطرف الوهابي لمواجهة النقاط المشرقة في هذا الظلام اليمني الدامس، بتبني مواقف عنيفة ضد فيلم يحمل اسم” عشرة أيام قبل الزفة”، لم يسبق لي أن شاهدت هذا الفيلم لكنه، وكما تفيد كتابات حول الفيلم، يمثل بداية تجربة سينمائية تقوم على قصة رومانسية، هي القصة ذاتها التي يعيشها البشر في حياتهم العادية لا تزيد على ذلك شيئاً ولا تنقص، قصة تنتهي ربما بالزواج.

هذا الفكر المتشدد الذي لا يزال حياً في ظل كل هذا العنف والحرب والاقتتال، كان وسيبقى فكراً وظيفياً يستخدم لأغراض سياسية، وفي الحد الأدنى يمثل رموزه مجرد أدوات لا تزال تعمل وفق البرنامج الذي صدَّرته الماكينة الدينية السعودية إلى عالمنا خلال العقود الماضية، لذا يحتاجون بالضرورة إلى إعادة ضبط، لكي يتفقوا على الأقل مع أولئك الذين أعلنوا جاهراً نهاراً بأنهم باتوا أبواقاً في دين محمد بن سلمان الوسطي الحداثي الجديد.