عدن الشرعية وعدن المتمردة!

  محمد اللطيفي
المجال: مقالات التاريخ: أكتوبر 17, 2017

    الأحداث الأخيرة في الجنوب، أعادت التخوفات من تكرار مشهد العنف السياسي الذي تلا ثورة 14 أكتوبر (1963)، والتي انفجرت قبل (54) عاما ضد الاستعمار البريطاني.

  فقد أدى انقسام المقاومة حول كيفية إدارة جنوب ما بعد بريطانيا، إلى تشكل تيارين، الأول الجبهة القومية للتحرير، والثاني جبهة تحرير جنوب اليمن، وقد خاضت الجبهتان صراعا سياسيا ودمويا حول فكرة الاستقلال، أدى إلى سيطرة الجبهة القومية التي تدعمها بريطانيا، وهي الجبهة التي تحكمت بسلطة الجنوب بعد إعلان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في 30 نوفمبر 1967. لكن الصراع الدموي استمر، حتى بعد مجئ الحزب الاشتراكي (في 1978)؛ والذي نشأ من رحم الجبهة القومية، وحكم الجنوب باسم الحزب الواحد، وسرعان ما عاد الصراع الدموي مرة أخرى وشهدت الجنوب أحداثا دامية داخل الحزب، كان أبرزها أحداث (1986)، والتي أدت لفرار بعض القيادات إلى شمال اليمن، منهم الرئيس الحالي عبدربه هادي.

بعض المحللين يربط بين تلك الأحداث الدموية، التي حدثت في جنوب ما بعد الاحتلال البريطاني، والأحداث التي تحدث الآن داخل عدن بين المجلس الانتقالي والشرعية، فاذا كانت الجبهة القومية حصلت على دعم بريطانيا، فإن المجلس الانتقالي يحصل حاليا على دعم دولة الامارات، كما أن الصراع السابق والحالي تمحور حول فكرة كيفية استقلال الجنوب.

 نشأ المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم من الامارات، وتحول إلى متحكم عملي بسلطة عدن، ونشب صراع سياسي بين الحراك الذي يقوده عيدروس الزبيدي وبين الشرعية، كاد أن يتحول إلى صراع دموي أكثر من مرة، ووصلت الأزمة إلى الدرجة التي يمنع فيها الرئيس هادي من العودة إلى عدن.

 يؤكد مراقبون، أنه لولا الدعم الاماراتي السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي، الذي تشكل بعد إقالة الزبيدي من منصبه كمحافظ لعدن، لما استطاع هذا المجلس أن يتحكم بأمن عدن، وأن يسيطر على مؤسسات السلطة فيها.

 وتبدو المشكلة أكثر تعقيدا في الجنوب، حيث تشكلت سلطتان في عدن، سلطة سياسية شرعية بقيادة الرئيس هادي تتعامل مع عدن كعاصمة مؤقتة لليمن الاتحادي المرتقب، وأخرى سلطة غير شرعية بقيادة الزبيدي، تتعامل مع عدن كعاصمة للجنوب فقط، وتبدو المفارقة أن المجلس الانتقالي الذي لا يعترف بشرعية هادي، يتحرك أمنيا بادارة أمن عدن التي يديرها شلال شائع، المعين من قبل الشرعية.

 وقد فتحت الأحداث الأخيرة التساؤلات حول مستقبل الشرعية في عدن،  ومستقبل التعددية السياسية فيها، بعد الاعتداءات العنيفة التي تعرض لها حزب إصلاح عدن، من اقتحام واحراق لمقراته واختطاف قياداته وناشطيه، بل وتهديد مدير أمن عدن كل الاحزاب وفي مقدمتها الاصلاح، بالاجتثاث.

  ومع ذلك، فإن تزامن الاعتداءات الأمنية على إصلاح عدن، وتعرض موكب رئيس الوزراء بن دغر، لاعتداء مسلح في لحج، جعل سياسيين يؤكدون أن الهدف من أحداث عدن، ليس الاصلاح فقط، بل الشرعية ذاتها، حيث يعتقدون بوجود خطة مدعومة إقليميا لإضعاف الشرعية، تجعلها مكتوفة الأيدي.

 تبدأ الخطة باضعاف القوة الحزبية الفاعلة في الشرعية والمتمثلة بتجمع الاصلاح، وتمر باضعاف نشاط الحكومة في عدن والمحافظات المحررة، ولا تنتهي عند رفض التحالف استكمال تحرير تعز، والمناطق التي ما تزال بيد الانقلاب.

لكن الشئ الأخطر هو أن عدن مؤهلة لحدوث صراع عنيف بين قوى جنوبية تنشط ضد الشرعية وفكرة اليمن الاتحادي، وأخرى مع الشرعية، واذا كان من الواضح موقف الامارات التي ترعى تلك القوى الجنوبية المتمردة، فإن موقف السعودية ما يزال غامضا، حول الأزمة الأخيرة، مع أن البعض يؤكد أن أبوظبي لا يمكن لها أن تتحرك بكل هذه المخططات دون علم أو موافقة الرياض.

ما تحتاجه عدن، الآن، هو إرادة سياسية قوية، تبسط نفوذ الشرعية قبل فوات الأوان، الشرعية عليها أن تقول كلمتها قبل فوات الأوان، وإذا لم تكن كلمتها السياسية والأمنية قوية على الجميع، فإن مستقبلها ومستقبل اليمن معها، سيذهب في أتون صراعات بلا نهاية، فعدن الشرعية ما زالت أقوى، لكنها تحتاج فقط لإرادة وحزم.