The Yemen Logo

عاملات النظافة في الجامعات اليمنية ما بين مطرقة الاحتقار المجتمعي وسندان الأجر المتدني

عاملات النظافة في الجامعات اليمنية ما بين مطرقة الاحتقار المجتمعي وسندان الأجر المتدني

غرفة الأخبار - 22:18 22/01/2023

محمد الوجيه – اليمن نت

معاناة اجتماعية واقتصادية شديدة، هكذا يبدو حال عمال النظافة في اليمن وعلى وجه الخصوص النساء، بعد أن وضعهم  المجتمع في أدنى السلم الاجتماعي؛ فرغم عملهم النبيل في تلميع وتنظيف أوساخ الآخرين، إلا أنهم في بلادنا لا يجدون سوى التنقيص والاحتقار ناهيك عن الحرمان من أبسط الحقوق.

عاملات النظافة في المدارس والجامعات اليمنية أكثر فئة متضررة من سوء المعاملة، وتدني المردود المادي رغم عملهن الشاق؛ إذ تعاني هذه الفئة من النساء من عملهن المتعب؛ حيث يخرجن في الساعات الأولى من الصباح ويعدن إلى المنازل في آخر النهار.

تعمل هذه الفئة بكل جد واجتهاد حتى تحصل على فتات يقي أطفالها الجوع، برواتب لا تتعدى أكثر من أربعين دولار في الشهر الواحد، وهو مبلغ أصبح في وقتنا الحالي لا يكفي لمعيشة فرد واحد لأسبوع. لكن هذه الفئة تعمل بصمت ولا أحد يلتفت إلى ما تعانيه، إلا إذا غابت يلتمس الجميع مقدار الخدمات التي تقدمها.

تشتكي نبيلة_ إحدى عاملات النظافة في كلية الآداب بجامعة تعز_  من إهدار عملها على مدار سنوات مقابل أجر بسيط لا يتجاوز 35 ألف ريال يمني (حوالي 30 دولاراً بسعر الصرف في مناطق الحكومة الشرعية)، وأن هذه الأجور لا تتناسب مع الظروف المعيشية، مطالبة الجهات المعنية بالالتفات إلى إليها ومثيلاتها في العمل.

تقول نبيلة لموقع "اليمن نت" بأنها تعول ثلاثة أطفال أحدهم معاق، ولأنها لا تمتلك خبرات في أية أعمال أخرى فرض عليها البقاء في هذا العمل خوفاً من أن تفقد مصدر رزقها الوحيد.

معاناة من وجه آخر

المعاناة المادية ليست المشكلة الأبرز لدى عاملات النظافة في المدارس والجامعات اليمنية؛ فثمة معاناة معنوية مليئة بالتمييز الاجتماعي والعنصرية تحطم كاهل تلك العاملات.

وهو ما تؤكده حياة أحمد _عاملة نظافة في جامعة تعز _  والتي عبرت عن استيائها الشديد من بعض السلوكيات التي تتعرض لها مع بقية العمال بشكل يومي قائلة: "مع الأسف البعض لا يُقدِّرون ما نقوم به من جهد وتضحية لأجل أن نبقي على جماليات المظهر العام في الجامعة، فتجد أن الطلاب يرمون بمخلفاتهم على الأرض رغم أن برميل القمامة لا يبتعد عنهم متراً واحداً وعندما تسألهم عن السبب يكون الرد من قبل بعض الطلاب جارحا وقاسياً، فبعضهم يقول هذا عملك وأنتِ تعملين بفلوس".

"أحيان لا أشعر بأنني إنسانة كبقية النساء حتى في المجالس النسوية البعيدة عن الجامعة لا تكون النظرة إليّ إلا كعاملة نظافة، وما يجعلني أستمر هي حاجتي للقمة العيش... حصولي على لقمة بسيطة بالحلال أهون من أشياء كثيرة قد تعوضني بالمال الكثير"، تضيف حياة في حديثها لـ"اليمن نت".

وعن أحوال عاملات النظافة ومعاناتهن تتحدث الإعلامية رابعة اليوسفي لموقع "اليمن نت" قائلة: "حال عاملات النظافة سواء كن من المهمشين أو القبائل يتم التعامل معهن من قبل الناس على أنهن من مستوى أقل من مستواهم، وقد يصل البعض إلى التعدي اللفظي عليهن؛ وهذا إن دل على شيء فهو على سوء أخلاق الطرف الآخر وانعدام الإنسانية والنقص الذي فيه، و الذي يظهر بالكبر والازدراء  لأي شخص يعمل في وظيفة بسيطة، وليس فقط العاملات".

وتضيف اليوسفي: "عامل النظافة هذا إنسان كما أنت إنسان، ولكن الظروف وضعته في هكذا عمل وهي وظيفة مهمة جدا، و لولا نشاطهم لغرقت الأماكن بالقذارات و الأوساخ التي نصنعها نحن".

وترى اليوسفي أن "زيادة الطبقية والعنصرية تجاه هذه الفئة يعود للهشاشة النفسية وعدم الاتزان الذاتي النفسي للأشخاص المسيئين لهذه الفئة أو لغيرها، واتجاه هؤلاء الأشخاص إلى تقليد ما يروه على شبكات التواصل من مظاهر للبذخ والمعيشة الزائفة ومظاهر الترف والانشغال بترفيه النفس وإفسادها بدلا من تزكيتها وإصلاحها... وكذلك البعد عن الأخلاق وتعاليم الإسلام السامية التي لم يتم فيها التفريق بين الناس".

استعلاء

 وتختلف النظرة الدونية لعاملات النظافة باختلاف مناطق اليمن وطبقاتها الاجتماعية إذ نجد أن المجتمع الذي يسود فيه نظام المشيخة والقبيلة أكثر شدة وغلظة تجاه هذه الفئة، وتلعب الدولة دورا كبيرا في ذلك؛ فعدم التزامها بتحسين هذا القطاع والرفع من قيمة العاملين فيه يعزز من تعميق تلك الفجوة بين فئات المجتمع، ويزرع كراهية متبادلة بين كافة الفئات المجتمعية في مجتمع يعاني من ويلات الحروب والانشقاقات السياسية والقاعدة المجتمعية الداعمة لهم.

وعن جذور هذه النظرة والتميز الاجتماعي تجاه عاملات النظافة، يرى الدكتور عبدالسلام المحمودي، وهو باحث في علم الاجتماع، أن "المسألة تعتبر مسألة متراكمة، حيث تتعلق بثقافة موروثة في المجتمع اليمني الذي يتميز بنوع من التعالي خصوصاً في المجتمع القبلي ودوما ما نلمسه في التنشئة الاجتماعية".

وأضاف المحمودي في حديثه لموقع "اليمن نت" قائلاً: "اليمنيين دوماً يحتقرون من يقوم بخدمتهم سواء في الجامعات أو الأعراس أو بقية الأماكن والمناسبات، وكذلك فيما يتعلق بطريقة تعامل المسؤولين مع عمالهم؛ لأن نظرة التعالي هي الرابط المشترك بينهم".

ويؤكد المحمودي أنه "دوماً ما نجد في مجتمعنا شتيمة انتقاص ضد الآخرين وإذا أردنا أن نعيِّر إنساناً نقول له أنت (منظِّف) أو (شكلك منظِّف)، وهذا ما يتطلب من أبنائي الطلاب في الجامعات الالتفات إلى هذه المسألة وأن يقدموا عكس ما قدمه أسلافهم، وأن نعطي لهذه الفئة حقها المشروع؛ سواء المادي أو المعنوي".

من جانبه يرى الدكتور توفيق محمد، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الوطنية، أن من بين العوامل التي تجعل عامل النظافة محتقرًا في اليمن هي الجهل والتخلف، ومن ثم الأجور المتدنية لهذه الوظيفة الشريفة.

ويضيف الدكتور توفيق لموقع "اليمن نت": "عار أن يأخذ عامل النظافة أجراً لا يكفيه للعيش الكريم، مع أنها وظيفة مهمة في حياتنا البيئية سواء في الجامعات أو الأماكن الأخرى، ولولا هؤلاء لكانت النتيجة كارثية على الإنسان وصحته".

الحرب وترسيخ العنصرية

بالرغم من أن النظرة الدونية لعاملات النظافة أو غيرهن من عاملات الطبقة الدنيا في اليمن تعتبر ثقافة متوارثة لأجيال متلاحقة، إلا أن الحرب المشتعلة في البلاد منذ ثمان سنوات زادت من حدة الثقافة العنصرية والطبقية في المجتمع، بعد أن كانت قد انخفضت بشكل ضئيل في فترة ما قبل الحرب. وتعتبر النساء في تلك الطبقات أكثر تضررًا من الرجال لعدة عوامل وأسباب.

وترى الصحفية ندى المخلافي أن الحرب زادت من الطبقية ونظرة الاستعلاء في اليمن. وفي حديثها لموقع " اليمن نت" تقول: "للأسف هناك ثغرة بالتفكير، وخاصة في بلادنا يتم التعامل مع عمال وعاملات النظافة باستحقار كبير. لا يوجد تقدير لا للذات ولا للمهنة". وتؤكد أن هناك "مأساة حقيقية يعاني منها عمال النظافة؛ سواء بالحقوق أو المعاملة وحتى نظرة المجتمع لهم باتت تخاطبهم وكأنهم خلقوا لهذا الشيء، بالرغم أن منهم الطبيب ومنهم الإداري والمعلم والمهندس ولكن ظروف الحياة أجبرتهم على العمل بهذا المجال لسد احتياجاتهم".

وتضيف المخلافي: "بسبب الحرب وآثارها زادت نسبة الطبقية والعنصرية بشكل كبير. والخلافات الدائمة تقف حالا أمام الحكومة لسن قوانين تُحرّم العنصرية بكافة أشكالها، إلى جانب وضع لوائح تضمن الامتثال لتلك القوانين ورصد أي مخالفات على كافة الأصعدة وخاصة عمال النظافة الذين يعتبرون واجهة للبلاد ويجب تقدير أوضاعهم المعيشية وتسويتها".

انشر الخبر :

اخر الأخبار

ساعات انقطاع التيار وصلت إلى ثلاث ساعات ونصف مقابل ساعتي تشغيل

مليشيا الحوثي صعدت مؤخرا بشكل لافت عمليات قمع النساء والتضييق عليهن عبر عدد من الإجراءات

"من بعدما تدخلوا المفرق؛ حوالي 80 بالمئة من الطريق إسفلت، والباقي فرعي معبّد"؛ هكذا وصف لنا صديقنا الطريق إلى قريته قبل أيام من زفافه، بهدف. . .

منذُ اختطاف زكريا قبل خمسة أعوام مازالت أسرته تنتظر عودته إلى المنزل، لأنها تعرفه كما تعرفه عدن كلها، رجل الخير والبر والإحسان خدوما لمجتمعه ومدينته. 

linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram