صالح كطريقة تفكير تعشعش داخل الشرعية!

محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: ديسمبر 4, 2018

رغم توفر كل الإمكانات والظروف التي تجعلها؛ أي الشرعية، تنجز، ليس فقط انتصارا عسكريا في المناطق الخاضعة للحوثي، بل أيضا، بناء الهدف المنشود من مخرجات الحوار الوطني التي انقلب عليها الحوثي، وهي الدولة الاتحادية، التي تضمن شراكة عادلة لكل اليمنيين في الثروة والسيادة، رغم كل ذلك، لمَ لَمْ تحسم الشرعية بعد، انتصارها على مليشيا الحوثي؟!

بالنسبة لي، فإن ذكرى مقتل المخلوع صالح على يد مليشيا الحوثي، التي تصادف (4 ديسمبر)، يمكنها أن تجيب بوضوح على هذا التساؤل أعلاه، فلقد مثّل صالح السبب الرئيسي في كل ما يحدث الآن لليمن وأهله، ففكرة الانقلاب على الشرعية، ما كانت لتتم، لولا صالح ونظامه وحرسه وماله، وحاضنته الشعبية، لولا صالح لما خرجت مليشيا الحوثي من صعدة، هذه بديهية سياسية في تاريخ اليمن، فالحوثي هو نتيجة عسكرية وسياسية لنظام صالح، وهو خطيئة صالح الذي انتقم بها من اليمن التي خلعته، وهو قبل ذلك الشخص الذي أهدر أكثر من ثلاثة عقود من عمر اليمن الجمهوري، في بناء نظام هش، ومنع قيام دولة حديثة ذات سيادة.

مع كل هذه الحقائق التي لا تحتاج لتأكيد، فإن غالبية من بيدهم قرار الشرعية؛ التي تواجه الحوثي، لا تزال تحاول تجاهل قصة الانقلاب على الشرعية، وتتعمد تزوير الأحداث وتحريف الأدلة، باتجاه تبرئة صالح من جريمة الانقلاب على الشرعية وقبلها على الجمهورية.

لو تصفحنا الفضاء العام للوسائط الاجتماعية، للفيس وتويتر مثلا، لوجدنا وزراء ومسؤولين وإعلاميين ودبلوماسيين ..الخ، يمثلون الشرعية ويتحدثون باسمها، يسوّقون لفكرة أن صالح ضحية الحوثي، ويرددون، بكل وقاحة، كذبة ديسمبر المبنية على القول: بأن صالح قدم روحه من أجل الجمهورية.

هذه الكذبة بقدر سماجتها، بقدر ما تدلل على الفاجعة التي نعيشها نحن اليمنيين، من كون تلك النخب السياسية التي تمثلنا، لا تخون فقط نفسها، بل تتعمد بشكل علني وفاضح خيانة الجماهير التي تدعي تمثيلها، وتتكرر بشكل ممل، طريقة صالح نفسها في الحديث المفضوح عن الجمهورية والدفاع عن السيادة الوطنية.

لقد خان صالح الجمهورية أكثر من مرّة، الأولى عندما حرص طوال حكمه، على بناء سلطة لا علاقة لها بالجمهورية؛ التي تعني مساواة المواطنين في السيادة، وقام عمدا بإفراغ الجمهورية من محتواها الأساسي؛ السيادة، ولقد ظلت اليمن في عهده بلا سيادة، ثم ذهب باتجاه تمييع الديمقراطية، التي تعني مشاركة المواطنين في السياسة، وحوّل الديمقراطية إلى لعبة يطيل بها زمن حكمه. وكانت المرة الثانية عندما خان صالح طموحات اليمنيين في توحيد اليمن في دولة واحدة تضمن شراكة الجنوب والشمال في الثروة والسيادة، فحول الوحدة إلى أزمة، لا تزال تداعياتها السلبية باقية حتى اللحظة.

عندما انفجرت ثورة (11/فبراير/ 2011)، كان اليمن قد وصل إلى أفق مسدود سياسيا واجتماعيا، ولم تفلح كل الجهود المحلية والإقليمية في تعديل نظام صالح، ولم يكن أمام المواطنين سوى الخروج للشارع العام لإسقاط نظامه سلميا، لكن صالح الذي أدمن العنف والغدر والإرهاب، فضل الذهاب باتجاه قتل المتظاهرين ثم الخضوع لتسوية سياسية؛ المبادرة الخليجية، وكان خضوعه مكرا بنقاء فبراير، التي رفضت العنف معه، ثم قام بالتخطيط للانتقام، عبر تسليم اليمن كلها إلى مليشيا إجرامية إرهابية؛ مليشيا الحوثي، وهو ما عرف بانقلاب سبتمبر 2014.

هذا الانقلاب المشؤوم، الذي قاد اليمن إلى كارثة سببت التدخل الخارجي والمجاعة والأمراض والنزوح والتشرد، كان المتسبب الرئيسي به صالح، الذي يحاول رموز في الشرعية تقديمه اليوم، بصفته منقذا جمهوريا وشهيدا، ما يطرح استفهاما حول هذه النخب السيئة التي ثارت على صالح ولم تخرج من جلباب عقله، وهربت من عنف انقلابه وعادت للترحم عليه، وتشكي للعالم من انقلاب الحوثي، وتحتفل بذكرى من دعم الانقلاب سلاحا ومالا ونظاما.

كل ما سبق، كان إجابة لسؤال لماذا لم تنتصر الشرعية على مليشيا الحوثي انتصارا حاسما، قل هو من عند من يحكم عقلية الشرعية. صالح هو طريقة تفكير، وهذه الطريقة لا تزال، للأسف، تدير الشرعية، وهي الطريقة التي سلمت اليمن مجانا للراعي الإقليمي؛ السعودية والامارات، وهي الطريقة التي جعلت الشرعية تتعامل مع العالم، من منطق كيان تابع للخليج، لا من منطق دولة ذات سيادة اسمها اليمن.

وفي مناسبة مقتل الإرهابي يجب التذكير، بأن المخلوع صالح كان أكبر إرهابي عرفته اليمن، وألاّ أسوأ من الذين حزنوا على مقتله إلا الذين يتعمدون تزييف الحقائق، ويحاولون تقديمه كـ”شهيد” من أجل الجمهورية، الجمهورية التي لا علاقة لها باللصوص والقتلة والإرهابيين. يمكن القول بأن صالح عدو الجمهورية، لقي مصرعه، علي يد عدو آخر للجمهورية؛ الحوثي، ولقد كان الحوثي خطيئة صالح الكبرى، ولقد أصابته خطيئته في مقتل، ولكي لا تصيبنا خطيئته الأخرى، أنصاره في الشرعية، علينا مقاومة صالح؛ كطريقة تفكير سياسية، لكي ننجو.