شر البلية ما يضحك

تفاجأت الأوساط السياسية اليمنية يوم أمس الأحد بإعلان حزب المؤتمر الشعبي العام “نسخة صنعاء” تجميد عضويتهم في المجلس السياسي الأعلى للحوثيين والحكومة الحوثية، وقد أثار ذلك الإعلان غرابة كثير من المهتمين في الداخل والخارج، ولكن تحولت تلك المفاجأة إلى سخرية وتهكم بعد أن علل المؤتمريون أسباب ذلك التجميد بالاحتجاج على إطلاق سراح متهمين بتفجير دار الرئاسة.

فعلا،  تذكرت وأنا أسمع إعلان المؤتمر ذاك المثل العربي القائل “تمخض الجبل فولد فأرا”، والجميع  يعرف أن هذا المثل يضرب لمن يتوقع منه الكثير لكنه يأتي بالشئ القليل والحقير الذي لا يتناسب مع حجمه الحقيقي أو المتوهم، وهذا ينطبق على المؤتمر الشعبي العام.

لكن المشكلة أن المؤتمر حتى لم يلد فأرا، وإنما خلف عارا ومهانة لكل أتباعه، فبينما ينتظر منه أتباعه أن يخرج ثائرا على الإهانات الحوثية التي طالما وجهها لهم الحوثي خلال مسيرة تحالفهم معه، يخرج اليوم ليحتج على إطلاق سراح المتهمين في تفجير دار الرئاسة، وكأن الأمور بين المؤتمر والحوثي تسير بحميمية مطلقة، ولم يكدر صفوها سوى هذا التصرف الحوثي الأرعن!

والمضحك أن المؤتمريين لم يحتجوا هذا الاحتجاج عندما قتل الحوثيون رئيس المؤتمر “علي عبد الله صالح” في نهاية العام 2017، ولم يحتجوا كذلك عندما رمى الحوثيون بجثمانه في الثلاجة بعد أن مثلوا به في كل الوسائل الإعلامية، ورفضوا تسليمه لدفنه، لقد خرست ألسنتهم يومها، ودفنوا رؤوسهم في التراب.

لم يحتج المؤتمريون عندما أقصى الحوثيون كل قياداتهم من وظائفهم العليا واتهموهم بالفساد، وأخضعوهم للإقامة الجبرية ومنعوهم من السفر، ولم يحتجوا أيضا عندما أفرغ الحوثيون وزارتي الدفاع والداخلية من كل القيادات المؤتمرية العليا والوسطى والدنيا، واستبدلوهم بالمليشيات، ولم يحتجوا كذلك عندما هيكل الحوثيون  الوظائف الإدارية واستبعدوا كل من هو مؤتمري أو عمل مع من يسميه الحوثيون “النظام السابق”، لم يحتج المؤتمريون أمام ذلك كله، وإنما ازدادوا تشبثا بالحوثي بذل ومهانة واستكانة.

يعلم المؤتمريون أن عضويتهم في المجلس السياسي الحوثي لا يعدو كونه ديكور يستفيد منه الحوثي لتعزيز مواقفه، وليجني من ورائها مكاسب سياسية كبيرة، أما أن للمؤتمريين دور في العمل السياسي أو إدارة شئون البلاد فهذا ما لا يسمح به الحوثي، فمنذ وصوله إلى العاصمة صنعاء على ظهر المؤتمر أعلنها مدوية أن لا شراكة معه في السياسة أو الإدارة أو الحكم، فاليمن ملك حصري له دون سواه، ولا يحق لأحد البقاء في أي منصب في دولته ما لم يكن من أسرته “المباركة”.

وهكذا هو دورهم في الحكومة، فهي وإن كانت برئاسة مؤتمرية ويمثل المؤتمر “قطيعا” كبيرا فيها، إلا أن القرار الأوحد فيها هو للحوثي، وأن أصغر مليشاوي حوثي ممن يحيطون برئيس الحكومة المؤتمري يمتلك تسيير أمور الحكومة دونا عن رئيسها، بل وأكثر من ذلك فقد تحول المؤتمريون الذين طالما نهبوا البلاد باسم المؤتمر إلى خدام تحت أقدام الحوثيين.

أما مجلس النواب فحدث ولا حرج، فقد بات أعضاؤه من جملة المليشيات التي يستخدمها الحوثي لارتكاب جرائمه بحق اليمنيين.

واليوم يعلنون تعليق مشاركتهم في المجلس السياسي، والحكومة، ومجلس النواب، ومجلس الشورى، بحجة أنهم أطلقوا سراح متهمين بتفجير دار الرئاسة!

وبنفس الذل والهوان الذي تعامل به مؤتمريو صنعاء، ظهر مؤتمريو الخارج ليعلنوا احتجاجهم في بيان؛ ليس على الجرائم التي ارتكبها الحوثي في حق زعيمهم وزملائهم ممن يقبعون تحت رحمة الحوثي، وإنما على “الأخوان” الذين اتهموهم بأنهم وراء الإفراج عن المتهمين!

إنهم لا يختلفون عن زملائهم في صنعاء، فإذا كان مؤتمريو صنعاء يتلذذون بإذلال الحوثي لهم، فإن هؤلاء يفاخرون بعمالتهم للإمارات، ويتلذذون بترديد ما يردده الاماراتيون، وبسخافة ممجوجة. حقا “شر البلية ما يضحك”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى