سلطة كورونا إذ تعصف بنفوذ المتمردين

ياسين التميمي

قبل أن يستفحل وباء كورونا ويصل إلى اليمن بهذا الشكل العاصف، كانت حرب الاستحقاقات الجيوسياسية على الساحة اليمنية تتخفى خلف المخاوف الدولية من تفاقم ظاهرة الإرهاب ومن إمكانية عودة نشاط القاعدة في اليمن مجدداً.

الآلاف من اليمنيين قتلوا في الحرب التي فجرها الحوثيون بإيعاز من دول الإقليم، والملايين شردوا ودمر الاقتصاد وحرم اليمنيون من حقهم في الحرية والكرامة، ليتحولوا إلى متلقي مساعدات تقدمها المنظمات الدولية، ضمن سلسلة من المناولات التي يذهب معظم كلفتها لهذه المنظمات وموظفيها.

الأطراف المتمردة والانقلابية ومن يدعمها مضت في طريق تثبيت الاستحقاقات دونما اكتراث لليمنيين وآلامهم، فيما معظم الأطراف المؤثرة واصلت تبرير ما يجري والكلف العالية التي يدفعها اليمنيون من الدماء والآلام ومن الحاضر والمستقبل، ما دامت حرب هؤلاء المتمردين تجري تحت شعار مواجهة الإرهاب.

منذ منتصف العام 2019 وهو التاريخ الذي أعلنت فيه الإمارات انسحابها العسكري من الساحة اليمنية، اتجهت الأمور تقريباً نحو إعادة تعيين الحدود التي تمددت فيها القوى المتمردة في شمال الوطن وجنوبه، وما بقي من أراضي خاضعة لنفوذ السلطة الشرعية جرى التصرف معها على أنها تحت سيطرة “ميلشيا الإخوان المسلمين الإرهابية” التي سيطرت بزعم منظومة التمرد وداعميها على الشرعية وصادرت قرارها.

وبينما اتجه المتمردون إلى الجبهات في محاولة لفرض أمر واقع واستقطاع المزيد من الأراضي، والضغط العسكري على السلطة الشرعية والقوى المرتبطة بها، تفجرت تحديات جديدة من خارج حساباتهم. فقد اجتاحت البلاد سيول غير مسبوقة خلفت كوارث في عدد من المناطق والمدن خصوصاً مدينتا عدن وصنعاء، العاصمتان اللتان سيطر عليهما المتمردون والانقلابيون.

فيضانات عدن انتجت اوبئة عديدة ضاعفت من حجم المأساة التي تواجهها المدينة هذه الأيام نتيجة تفشي وباء كورنا. والامر لا يختلف كثيراً في صنعاء، كلا المدينتين ينزفان تقريباً، عشرات حالات الوفاة التي تمثل نتيجة طبيعية لانهيار المنظومة الصحية وعدم قابلية ما تبقى منها للتعامل مع جائحة بهذا القدر من الخطورة.

ما فتئ المجتمع الدولي والمبعوث الأممي الى اليمن مارتن غريفيث يحذرون من خطر جائحة كورنا في اليمن. لقد أصبحت هذه الجائحة أحد الدوافع القوية للمطالبة بضرورة إنهاء الحرب، ولكن ما من استجابة من الأطراف المتحاربة وبالأخص الأطراف المتمردة في صنعاء وعدن.

ومع ذلك ستبقى كورنا سلطة أمر واقع جديدة لها استحقاقات ومفاعيل وأثر مدمر تماماً كالانقلابيين. وأمام سلطة كهذه، لا يمكن لميلشيا الحوثي في صنعاء أن تتهم كورونا أو المصابين بها بأنهم دواعش وإرهابيين، ولا يمكن أن تتخلص من مسؤوليتها حيال شعب يقع تحت قبضتها وتعصف به جائحة كورونا دون رحمة، بمجرد أن يقول زعماء الميلشيا إن كورونا جائحة أمريكية. والحال نفسه بالنسبة للمجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات في عدن.

ليس هناك مجال لاتهام ميلشيا الإخوان بالوقوف وراء هذه الجائحة، ولا يمكن التهرب من المسؤولية عن الفشل الذريع الذي تعاني منه مدينة عدن دون سائر مدن البلاد، في الوقت الذي ينصب اهتمام الانتقالي على الأموال الموجودة في البنك المركزي.

كورونا تحتاج إلى دول تعيش وضعاً مستقراً وتتمتع بإمكانيات كافية، لمواجهتها واحتوائها، وتحتاج إلى خبراء وفرق متخصصة وقرار مسؤول. العصابات والجماعات المنفلتة والمتمردة ومقاولي الحروب ليست مؤهلة لمواجهة جائحة بهذه الخطورة والفتك والتدمير.

مئات الجنائز المجردة من المشيعين ستبقى شاهدة على الجريمة التي تسببت بها الإمارات في عدن والحوثيون ومن ورائهم إيران، في صنعاء، بعد أن وضع هذان البلدان أحدث الأسلحة بيد هذه العصابات التي أنتجت إحداها انقلاباً جديدا في جنوب البلاد يضاف إلى الانقلاب الذي ترسخ في الشمال وجاء تحالف دعم الشرعية أصلاً لدحره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى