ذكرى “ثورة أكتوبر” و حوار جدة!

   محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أكتوبر 15, 2019

بعد عودته من المشاركة في ثورة (26/سبتمبر/1962) ضد الاستبداد الإمامي في الشمال، استشهد راجح لبوزة في جبال ردفان وهو يقاتل ضد الاستعمار البريطاني، ما فجر الشرارة الأولى لانطلاق ثورة (14/أكتوبر/1963)، والتي لم تتوقف إلا بجلاء آخر جندي بريطاني من عدن في (30/نوفمبر/1967).

 الشاهد هنا أن غرفة العمليات ضد إمامة الشمال واستعمار الجنوب، تمت بتنسيق مشترك، ونضال موحد، ومثلت تعز مركزا لثوار الجنوب وعدن مكانا لثوار الشمال، وظلت فكرتي التحرر من الإمامة والإستعمار، طريقا مرحليا باتجاه الهدف النهائي المتمثل بوحدة التراب اليمني، ولذا كان هدف تحقيق الوحدة اليمنية هدفا أساسيا من أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر.

فيما بعد، سمحت اشتراطات بريطانيا لخروجها من عدن، والتدخلات السعودية في مرحلة ما بعد الإمامة، في نشوء نخب انتهازية في الجنوب والشمال، ساهمت تلك النخب في انحراف مسار الثورتين اليمنيتين عن أهدافهما، حيث بدأت نغمة التعصب المناطقي تسري في جسد الطبقة السياسية الجنوبية، بينما تغلغلت الهاشمية السياسية داخل الطبقة السياسية الشمالية، وهو ما جعل هدف الوحدة في مرمى الطبقتين.

 في الجنوب سعت النخبة الجنوبية المتطرفة باتجاه عداء الوحدة، إلى حد إلغائها كهدف من قائمة أهداف ثورة سبتمبر، في محاولة لفرض ثقافة متقاطعة مع اليمن الكبير، ولكن هذه النخب فشلت في بناء دولة جنوبية مستقرة، ودخلت في صراع دموي مريع، ووجدت النخبة الجنوبية نفسها في لحظة احتياج تاريخية للوحدة، كخيار اضطراري مع نظام شمالي يتسم بالانتهازية.

 تمت الوحدة على عجل (21/مايو/1990)، لكنها كشفت عن واحدية الشعب في المناطق الجنوبية والشمالية، حيث انتشر الفرح في كل أنحاء اليمن، ما دلل على أن النخب المتطرفة في الجنوب والانتهازية في الشمال، لم تنجح في محو حب اليمنيين لبلدهم الموحد، إلا أن نظامي صالح والبيض دخلا في صراع سياسي تحول إلى صراع مسلح، انتهى بفرض نظام صالح وحدة قسرية (1994).

  كانت من نتائج الوحدة القسرية التئام النخب الانتهازية (الشمالية والجنوبية)، في نظام صالح، وعملت هذه النخب على تحويل الوحدة إلى نظام قمعي تضرر منه اليمنيون في الشمال والجنوب، ووصلت الأمور إلى نفق سياسي مسدود، وهو ما فجر ثورة شعبية واسعة (فبراير 2011)، ومثلت هذه الثورة التي انطلقت في كل أنحاء اليمن، دعوة للحفاظ على أهداف ثورتي (سبتمبر وأكتوبر)، لكنها تميزت بوضع صيغة جديدة لوحدة الجغرافيا اليمنية، ضمن سياق بعيد عن الوحدة القسرية أو الإنفصال القسري، ترجمت هذه الصيغة في مخرجات الحوار الوطني الذي اعتمد الدولة الاتحادية، كحل واقعي لقضايا شائكة، وفي مقدمتها “القضية الجنوبية”.

 بعد انقلاب مليشيا الحوثي والمخلوع (سبتمبر 2014)، فضلت النخبة الجنوبية المتطرفة السعي في طريق معاكس لليمن الاتحادي، والتماهي مع مطامع التحالف؛ الإمارات خصوصا، التي جمعت تلك النخبة في إطار “المجلس الانتقالي”، وشكلت له مليشيات الأحزمة والنخب، ونفذت انقلابا بعدن أواخر أغسطس الماضي (2019)، تحت هدف الانسلاخ من اليمن الاتحادي.

 وقائع الشهور الماضية، أكدت نجاح النخبة الانفصالية في طرد الحكومة من عدن، لكنها فشلت في فرض رؤيتها الانفصالية بالقوة في فصل الجنوب عن الشمال، بعد أن واجهت فكرة الإنفصال مقاومة شعبية ورسمية في أغلب مناطق الجنوب، وهو ما أصاب فكرة “الإنفصال القسري” بالموت بشكل مبكر.

يعود سبب الفشل إلى تضخم “حلم الانفصال”، الذي تكون لدى بعض النخب الجنوبية، في قراءة متعسفة لطبيعة الواقع الجيوسياسي لليمن، والذي يجعل من الإنفصال التام للجنوب عن الشمال، فكرة خطرة على الأمن القومي للسعودية ومصالح العالم، لتكتشف هذه النخب أنها لم تكن سوى أداة لتحقيق مخطط إماراتي سعودي لنشر الفوضى في شمال اليمن وجنوبه، بهدف إيصال اليمن إلى صيغة تضمن التحكم بثروات مناطق الموانئ والنفط، ضمن حكومة مركزية ضعيفة.

 وهذا ما آلت إليه الأمور، فشلت النخب الانفصالية الجنوبية في تحقيق هدفها النهائي، ووجدت نفسها مجبرة على بالانخراط في صيغة حل سعودية، تعرف باتفاق جدة، والذي ينص على قبول المجلس الانتقالي بالمشاركة في حكومة “اليمن الاتحادي”، مع مكونات جنوبية أخرى، وإدماج مليشيات المجلس ضمن وزارتي الداخلية والدفاع، وبقدر ما يفرض اتفاق جدة؛ إن نجح، في فرض صيغة لا تعيد للحكومة هيبتها الكاملة، ويضفي الشرعية على مليشيا الانتقالي، إلا أن هذا الحوار يسدل الستار على وهم “الجنوب العربي”.

ما يمكن استخلاصه، أنه وبعد (29) عام على تجربة الوحدة و (56) عاما على ثورة أكتوبر، آن الأوان لإحداث قفزة في وعينا الوحدوي، ينقل قضيتي الوحدة والانفصال من مستوى “العقيدة” إلى مستوى “السياسة”، فلقد شوه زمن الأيديولوجيا وعينا السياسي، حتى أصبحت “الوحدة بالقوة” حلمنا القومي العتيد، وأحدث زمن المليشيات شرخا آخر أصبح فيه “الانفصال بالقوة” عقيدة جديدة.

 وحين أراجع تاريخ “التوحيد” اليمني، أجد أن الوحدة في زمن الحضارة اليمنية الكبرى، كانت وحدة فيدرالية أو كونفدالية بين ممالك مستقلة إداريا، ولم تكن أبدا وحدة مركزية تحت سيف واحد ومركز واحد، إلا بعد إنهيار الحضارة القديمة، كما أن تجارب التوحيد اليمنية القديمة، كانت قائمة على أساس اقتصادي، الهدف منه تفعيل التبادل التجاري بين الممالك اليمنية القديمة، فقط، وبعد دخول اليمن عصر الإنهيار، بدأت تجارب “الوحدة بالقوة” و “الإنفصال بالقوة”القائمة على أساس “الأيديولوجيا” لا على أساس المصلحة الوطنية.

في ذكرى هذا العام (2019) لثورة الـ (14) من أكتوبر، كم هو حري بنا أن نستوعب أن الوحدة أو الإنفصال مسائل تنتمي لمجال السياسة المتغيرة، لا العقيدة الدائمة، وأن المصلحة العامة الحرة هي أساس الإختيار الجمعي للوحدة أو الانفصال، أما الآن فلا خيار لنا جميعا، سوى حل “اليمن الاتحادي الفيدرالي”، لأنه وحده من يضمن بناء يمن قوي متعدد، ودولة تضمن توزيع اقتصادي عادل للثروات.