دراسة: اتفاق الرياض ينتهك سيادة اليمن وفشله يؤدي لحرب مناطقية في الجنوب

أكدت دراسة يمنية أن اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا، ينتهك سيادة اليمن لكن فشله سيؤدي لحرب مناطقية في الجنوب.

وبحسب الدراسة التي أصدرها مركز “أبعاد” للدراسات والبحوث، ربح اليمنيون السلام مؤقتا لكنهم خسروا سيادة الدولة على الأقل خلال السنوات القليلة القادمة، لأن اتفاق الرياض يأخذ من حق الدولة في استخدام القوة ويعطي الإشراف على استخدامها وتنظيمها وتشكيلها لدولة أخرى هي السعودية التي تشرف على تنفيذ الاتفاق.

وحذرت الدراسة من فشل الاتفاق ما قد يؤدي إلى حرب مناطقية تنتظر المحافظات الجنوبية وقد تتحول إلى صراعات جهوية، فالمجلس الانتقالي الجنوبي فشل في إيجاد حضور له في شبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى وأبين، وتعرضت قواته لانتكاسة هناك؛ كما أن الاتفاق في إطاره الجغرافي يُخرج القوات الحكومية في مناطق مأرب وتعز والجوف من الدخول تحته، بحسب مركز أبعاد.

اليمن نت يعيد النص الكامل للدراسة وفق ما نشرها مركز “أبعاد” :

توطئة

تم توقيع الاتفاق بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يطالب بالانفصال والمدعوم من الإمارات بعد أسابيع من التوتر عقب سيطرة “المجلس الانتقالي” على عدن وأجزاء من أبين إلى جانب الضالع ولحج، واتهمت الحكومة اليمنية دولة الإمارات بتمويل “التمرد المسلح” والتخطيط والتنفيذ للأحداث التي وقعت في أغسطس/آب2019.

في إطار جهود الحكومة لتعزيز سيطرتها قام الجيش باستعادة المواقع باتجاه عدن وتسبب “للتشكيلات العسكرية التي شكلتها الإمارات بهزيمه” لكن في 29 أغسطس/آب 2019 قصفت الطائرات الإماراتية وحدات الجيش على مدخل مدينة عدن قُتل وأصيب 300 جنديا، ما خلق تحولاً كبيراً داخل التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين. زادت عملية القصف غضب الحكومة اليمنية، فيما بررت أبوظبي قصف قوات الجيش بكونهم “إرهابيين” يحاولون استهداف قوات التحالف، صاعد ذلك من خلافات الحكومة الشرعية وحكومة أبوظبي، وشكا وزير الخارجية اليمني الحادثة لمجلس الأمن الدولي خلال اجتماعات الجمعية العمومية، وتصاعدت مطالبات الحكومة بمغادرة الإمارات للتحالف العربي.

احتضنت مدينة جدة السعودية مشاورات غير مباشرة بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، بدأت فعلياً منذ نهاية سبتمبر/أيلول 2019م، وتم تقديم عديد من المسودات معظمها تأتي ضمن توافق إماراتي/سعودي في وقت قدم الطرفان رؤيتهما لحل الأزمة التي كادت تنهي مشروعية التحالف المواجه للحوثيين.

في يوليو/تموز 2019 كانت الإمارات أعلنت عن بدء انسحابها من اليمن، لكن في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2019 غادرت معظم القوات الإماراتية من مدينة عدن، وتسلمت القوات السعودية إدارة العمليات العسكرية في المدينة ومعظم المحافظات الجنوبية حسب إعلان رسمي من التحالف فيما وصف بإعادة تموضع القوات. لتبدأ مرحلة جديدة من مواجهة الحوثيين قد تنهي الحرب في البلاد وتضع بذوراً لحروب قادمة.

اتفاق الرياض

الاتفاق وقع يوم الثلاثاء 5نوفمبر/تشرين الثاني2019 في العاصمة السعودية الرياض، بحضور ولي العهد السعودي وولي عهد أبوظبي والرئيس اليمني وقيادات المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد كان لدى كل طرف فريق من المفاوضين، فمن جانب الحكومة ترأس الفريق نائب الرئيس الفريق الركن علي محسن صالح. ومن الطرف الأخر ترأس الفريق عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي الذي كان محافظاً لعدن (2015-2017) حتى إقالته من الرئيس عبدربه منصور هادي.

يقع الاتفاق في أربع صفحات (توطئة وثلاثة ملحقات: ملحق الترتيبات السياسية والاقتصادية، ومحلق الترتيبات الأمنية، وملحق الترتيبات العسكرية)؛ وهذه الصفحات الأربع تحتاج إلى تفسيرات لما ذُكر فيها وسيقع أمر التفسير على لجنة مشتركة يشرف عليها التحالف.

أ‌) من أبرز بنود الاتفاق:

تشكيل لجنة تحت إشراف التحالف تختص بمتابعة وتنفيذ وتحقيق أحكام الاتفاق.
مشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي في وفد الحكومة لمشاورات الحل السياسي النهائي لإنهاء انقلاب ميليشيا الحوثي.
تشكيل حكومة كفاءات سياسية لا تتعدى (24) وزيراً يعين الرئيس أعضائها بالتشاور مع رئيس الوزراء والمكونات السياسية الأخرى على أن تكون الحقائب السياسية مناصفة بين المحافظات الشمالية والجنوبية، وذلك خلال فترة 30 يوماً من توقيع الاتفاق. على أن يتم اختيار المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة والخبرة المناسبة للحقيبة الوزارية وممن لم ينخرطوا في أي أعمال قتالية أو تحريضية خلال أحداث عدن وشبوة وأبين.
يعين الرئيس هادي المحافظين في عدن ثم أبين والضالع ثم باقي المحافظات الجنوبية بالتشاور.
يباشر رئيس الحكومة الحالية عمله في عدن بعد أسبوع من توقيع الاتفاق. وخلال الأسبوع يتم تشكيل حكومة جديدة تؤدي اليمين الدستورية أمام الرئيس هادي في عدن.
ب‌) الملحق العسكري

تجميع ونقل الأسلحة المتوسطة والثقيلة بأنواعها المختلفة من جميع القوات العسكرية والأمنية وتشمل على وجه الخصوص (وتشمل هذه الأسلحة على وجه الخصوص الدبابات، المدرعات، المدفعية، كاتيوشا، الهاونات الثقيلة، الصواريخ الحرارية، والأطقم المسلحة بعيارات ثقيلة والمتوسطة) ووضعها تحت إدارة وإشراف التحالف.
نقل جميع القوات العسكرية التابعة للحكومة والتشكيلات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي في محافظة عدن إلى خارجها-يحدد مواقعها التحالف- ويكتفي ببقاء اللواء الأول حماية رئاسية لحماية الرئيس، وتأمين الحماية الأمنية لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي.
ترقيم القوات (من الطرفين) وضمها وترقيمها في وزارة الدفاع.
إعادة تنظيم القوات في عدن ثمّ المحافظات الجنوبية الأخرى.
ج) الملحق الأمني

إعادة تنظيم القوات الحكومية والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي وترقيمها تحت وزارة الداخلية، وإعادة انتشارها. على أن يتولى الأمن والنجدة مسؤولية حماية المدينة.
تنظيم القوات الخاصة ومكافحة الإرهاب في محافظة عدن واختيار عناصر وقيادة جديدة لها من القوات الحكومية والتشكيلات التابعة المجلس الانتقالي الجنوبي.
إعادة تنظيم قوة حماية المنشآت. “يتم اختيار عناصر القوة بناء على الكفاءة من العسكريين الحاليين في قوات حماية المنشآت الحالية أو من قوات الشرعية أو التشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي. – يسند لهذه القوة الحماية الكاملة للمنشآت المدنية، وحماية مقر الحكومة والبنك المركزي وموانئ عدن ومطار عدن والمصفاة ومقرات فروع الوزارات ومؤسسات الدولة في عدن”.
تتولى قوة حماية المنشآت حماية باقي المنشآت المدنية والحيوية في باقي المحافظات المحررة وموانئ المكلا والضبة والمخا ومنشأة بلحاف، خلال تسعين يوماً من توقيع الاتفاق.

اختلالات اتفاق الرياض:

1) التحول في عدة نُسخ: جرى تقديم عدة نسخ بين سبتمبر/أيلول2019 و نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وهذه التحولات في عدة مسودات قدمها الجانب السعودي في الغالب وسُربت في الإعلام تظهر حجم الفجوة بينهما. على سبيل المثال: في المسودة المسربة الأولى تم الحديث عن “دمج” التشكيلات الموجودة خارج وزارتي الدفاع والداخلية والنسخة الموقعة تم الحديث عن “إعادة تنظيم القوات”. تشير المسودة الأولى إلى حظر وجود وتكوين تشكيلات خارج وزارتي الدفاع والداخلية، تم حذف ذلك من النسخة الموقعة. كما تطرقت المسودات الأولى إلى توجه القوات لمحاربة الحوثيين المدعومين من إيران والنسخة الموقعة ذهبت للحديث عن تثبيت الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب.

كما أكدت المسودات الأولى من الاتفاق على عودة البرلمان اليمني لعقد جلسة في العاصمة عدن، وتجاهل الاتفاق هذه النقطة الأساسية. ونصت المسودات الأولى على أن تعود الحكومة بكامل أعضائها إلى عدن وفي الاتفاق الموقع يعود رئيس الحكومة فقط دون الإشارة إلى باقي الأعضاء.

نصت المسودات الأولى على دمج كل التشكيلات خارج الدولة بمن فيهم “حراس الجمهورية” و”ألوية العمالقة” لكن الاتفاق تجاهلها. ولم يشر نصاً للأحزمة الأمنية والنُخب واستعاض عنها بالحديث عن “التشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي”.

تشير المسودات الأولى إلى أن الموقعين على الاتفاق كانت: الحكومة اليمنية، المجلس الانتقالي الجنوبي، ومكونات جنوبية أخرى، في محاولة للخروج من مأزق تقديم المجلس الانتقالي كممثل وحيد للمحافظات الجنوبية، لكن توقيع الوثيقة تم بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، وحضر رموز المكونات الجنوبية الأخرى كضيوف على شرف المراسم -رغم رفض البعض الحضور.

2) المرجعيات والثوابت: يشير الاتفاق في توطئته إلى أن “تحالف دعم الشرعية” هو المُلزم بالمرجعيات الثلاث، مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني الشامل وقرار مجلس الأمن 2216. أي أن هذه المرجعيات ليست مُلزمة للموقعين على الاتفاق، فالمجلس الانتقالي الجنوبي يعتبر المرجعيات الثلاث أنها تتعارض وهدفه بتحقيق ما يصفه ب”استعادة الدولة الجنوبية قبل 1990″. كما أن عدم الإشارة إلى الثوابت الوطنية في ديباجة الاتفاق “وحدة اليمن وسلامة أراضيه” يجعل من الاتفاق خطوة أولى نحو تقسيم البلاد.

لذلك فإن الاتفاق -من وجهة نظر الانتقالي الجنوبي- يعطيه الخطوة الأولى نحو تحقيق أهدافه. وهو ما أكد عليه المجلس قبل الاتفاق باعتباره “خطوة استراتيجية على طريق تحقيق مشروعه في انفصال الجنوب عن الشمال”[1] وإلى كونه “خطوة أساسية واستراتيجية في قضية مصيرية”[2].

3) سيادة البلاد: لم يشر الاتفاق إلى وحدة اليمن وسلامة أرضيه وسيادته على العكس من ذلك اشترط الاتفاق “التشاور” في تعيين الوزراء والمسؤولين ومحافظي المحافظات. في نفس الوقت اتهمت الحكومة مراراً وتكراراً الإمارات بانتهاك سيادتها، ووصلت قوات سعودية بديلاً عن القوات الإماراتية، وتسلمت إدارة عدن بالكامل من الإمارات التي أعلنت مغادرة عدن بالفعل. ولم تُمكن السعودية الحكومة اليمنية أو قواتها من فرض نفوذها -كما كان متوقعاً- لذلك سيبقى في وجه النظر القانونية أن سيادة البلاد ما زالت منقوصة وأن الإدارة الخارجية انتقلت إلى يد خارجية جديدة.

يقدم الاتفاق سلطة جديدة “فوق سيادية” -بشكل رسمي- حيث سيشرف “التحالف” (الإمارات والسعودية) على تطبيق الاتفاق وسيكون شريكاً -بالتشاور- في العزل والتعيين، كما أن حصر تحريكه للقوات والأسلحة وليس الحكومة اليمنية مصادرة لحق الدولة التي يفترض أن التحالف تدخل لتمكينها، ويجعل وضع الحكومة اليمنية مع شرط وجود قوات أمنية بأسلحة خفيفة شبيه بوضع السلطة الفلسطينية.

4) حماية المنشآت: حدد الاتفاق أن تتسلم حماية المنشآت موانئ ومنشآت حيوية ليس من بينها المنشآت الموجودة في سقطرى والمهرة ووادي حضرموت. أي أن الإمارات ستسلم الموانئ المذكورة في الملحق الأمني إلى جانب منشأة بلحاف حتى نهاية يناير/كانون الثاني 2020م-وهو ما أكده مصدر في الحكومة مطلع على اتفاق ووعود سعودية متكررة بشأن ذلك- لكن ليس من بين ما ستسلمه قاعدة مطار الريان وقاعدة بلحاف حيث تتواجد، إلى جانب احتفاظها بالوجود في سقطرى، الأمر نفسه بالنسبة للرياض في المهرة وسقطرى فستبقى القوات السعودية فيها.

5) الدمج والترتيبات: لا ينص الاتفاق على دمج التشكيلات شبه العسكرية الموجودة خارج السلطة وصهرها ضمن قوات الدفاع والداخلية لكنه أشار إلى عملية إعادة تنظيم القوات وترقيمها ضمن قوات الأمن والجيش. ويشير مسؤولون في الحكومة إلى أن المراد بإعادة التنظيم هو “الدمج” و”الصهر” وهو ما ينفيه المجلس الانتقالي الجنوبي عبر المتحدثين الرسميين[3].

ومن المعروف أن معظم القوات التي تقاتلت في عدن وشبوة وأبين هي تنتمي لهذه المحافظات وإعادة تنظيمها وفقاً للجغرافيا -كما يشير الاتفاق- يبقيها بعيدة عن الهوية الوطنية الجامعة. كما أن إعادة التنظيم تتم ليس بإشراف وزارتي الدفاع والداخلية بل بإشراف لجنة مشتركة من الحكومة الجديدة وممثلين من المجلس الانتقالي الجنوبي، يشرف عليها التحالف وستتخذ القرارات – والرؤى- وفقاً للتوافق بين الأطراف. ومن المتوقع أن ينتقل حسم القرار أو الرؤية للسعودية والإمارات للإقرار.

6) فخ التفسير: يبدو أن معظم ما ورد في الاتفاق سيحتاج تفسيراً ومهمة التفسير ستكون على عاتق لجنة تحت إشراف التحالف. على السبيل المثال، “الدمج أم إعادة تنظيم” إضافة إلى أن الاتفاق لا يشير صراحة إلى الأحزمة الأمنية والنُخب بل إلى “التشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي” وهذه التشكيلات ليست تابعة للمجلس الانتقالي بشكل كامل بل تتلقى أوامرها من قيادة منفصلة تابعة للإمارات، وهناك تشكيلات تتبع الانتقالي الجنوبي تم تجنيدها من الضالع ويافع وتتلقى أوامرها بالفعل من عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس[4] وعددها بالآلاف، أما الأحزمة الأمنية والنُخب فعددها يصل إلى 90 ألفاً. وقد تكون اختلاف تفسيرات هذا الاتفاق بذور فشله، كما حدث في اتفاق ستوكهولم بين الحكومة والحوثيين بخصوص اتفاق الحديدة (ديسمبر/كانون الأول2018).

تأثير اتفاق الرياض

“اتفاق الرياض” هو مرحلة جديدة مؤثرة، تعتقد الأمم المتحدة والفاعلون الدوليون أنها ستقود إلى حل شامل مع الحوثيين، ويبدو أن الجهود تذهب نحو هذا الاتجاه، لكنها قد تعطي مزيداً من الاحتقان لفاعلين محليين آخرين.

1) المجلس الانتقالي الجنوبي: يعطي الاتفاق شرعية لوجوده، فلم يسبق أن لدى المجلس الانتقالي الجنوبي أي اعتراف دولي رسمي به ، بسب رفض الحكومة الاعتراف به منذ تأسيسه عام (2017).كما أنه يشرعن الاتفاق لهيئاته الأخرى التابعة له مثل “الجمعية الوطنية” التي تعتبر “برلمانا موازيا.

وباعتراف الحكومة بالمجلس الانتقالي من خلال الاتفاق الأخير، يمكن لهيئاته الموازية الموجودة في الدول الأخرى وخصوصاً الغربية التي تعمل كلجان علاقات عامة ضد الحكومة الشرعية ، أن تتحول إلى مؤسسات ذات مشروعية في التحرك واللقاء بمسئولين دوليين ويتيح لها فتح شراكات .

منذ 2017 عمل المجلس الانتقالي الجنوبي على بناء نفسه كسلطة موازية للدولة اليمنية، وكنّد للحكومة الشرعية وممثلاً عن “القضية الجنوبية” رغم الرفض الشعبي ومن مكونات جنوبية عديدة له إلا أنه بهذا الاتفاق سيجمع بين كونه يمتلك سلطة موازية (مثل الجمعية الوطنية/البرلمان) ودولة داخل الدولة.

2) تمثيل القضية الجنوبية والانفصال: لا يمثل الاتفاق القضية الجنوبية، إذ أن معظم المكونات الأخرى الجنوبية إما رفضت الحضور أو أقامت فعاليات أخرى لتؤكد أنها ليست تابعة للاتفاق. لكن الاتفاق قد يوقف الأحداث الدموية في جنوب اليمن كان يمكن لها أن تتحول إلى حرب أهلية جديدة، لكن إذا ما حدث تعامل مع “الانتقالي الجنوبي” بصفته ممثلاً للجنوبيين فإن هذا الخطر لن يزول. فأبناء سقطرى وحضرموت وشبوة والمهرة تحدثوا بوضوح أن “الاتفاق” غير معني بضم المحافظات الشرقية إلى اتفاق الرياض إذا تعارض مع طموحاتهم ، وهذه المحافظات هي الغنية بالنفط وتملك موانئ استراتيجية وتمثل معظم مساحة البلاد، بينما ينظر إلى المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره ممثلاً عن (الضالع ولحج)، لكن يُخشى من أن زيادة عدد المكونات الجنوبية قد تدفع بالفاعلين الغربيين إلى النظر باعتبار “الانتقالي الجنوبي” ممثلاً للجنوبيين وهو ما يعني مرحلة جديدة من حرب مناطقية لن تنتهي بسهولة.

إن محاولات الضم والإلحاق قد يؤدي إلى مشكلات بين المحافظات، ويجعل من مشروع الدولة الاتحادية -وهو الحل لشكل الدولة اليمنية التي أقرها مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014)- في تذبذب يجعل من الصعوبة تنفيذه أو قد يتعرض للتجريف المتعمد[5].

3) التشكيلات الأخرى: يمنح الاتفاق أي تشكيلات وتكوينات مسلحة جديدة أملاً في الحصول على مكاسب سياسية ضمن اتفاقات مماثلة، مع الاحتفاظ بكياناتها دون تغيير أو حلّ. يُشار بذلك إلى “حراس الجمهورية” و”ألوية العمالقة” و”المقاومة التهامية”، و”كتائب أبو العباس” التي تعمل في الساحل الغربي وتعز. وقبل توقيع الاتفاق سلمت الإمارات جزيرة ذات موقع هام ل”طارق صالح” نجل شقيق الرئيس السابق وقائد حراس الجمهورية. وقد يدفع ذلك إلى تخلق تكوينات جديدة في المناطق المحررة “جهوية وسياسية” من أجل الحصول على ذات المكاسب.

4) المشاورات مع الحوثيين: تقدم الاتفاقية شكلاً لاتفاق جيد للحوثيين مع الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، فهي تحفظ المجلس الانتقالي ككيان وليس كحزب كما كان مطلوباً من الحوثيين، الذين سيطمئنوا إلى أن جماعتهم ستحتفظ -بشكل من الأشكال- بتراتبية النظام الهيكلي للجماعة بما فيها “الميليشيا” وتضمن لها حضوراً مؤثراً في جزء واسع من الأراضي اليمنية في الشمال.

وفتحت السعودية ”اتصالا“ مع مهدي المشاط رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين عبر طرف ثالث. وتحدثت مصادر عن مشاورات متقدمة في مسقط برعاية أمريكية. يأتي ذلك بعد أن عرض الحوثيون هدنة من طرف واحد لوقف الهجمات الباليستية والطائرات بدون طيار على المنشآت الحيوية السعودية في سبتمبر/أيلول2019، عقب هجوم استهدف معملي نفط في بقيق والخريص شرق السعودية. وتبنى الحوثيون العملية لكن الرياض والولايات المتحدة وجهتا اللوم لإيران حليفة الجماعة.

وقال الأمير محمد بن سلمان في مقابلة مع محطة (سي.بي.إس) التلفزيونية إن اقتراح الحوثيين يمثل خطوة إيجابية نحو حوار سياسي أكثر جدية مضيفا أن السعودية منفتحة على كل المبادرات من أجل حل سياسي في اليمن. وأضاف أن المملكة تأمل أن يحدث ذلك اليوم بدلا من الغد.

ربما قررت السعودية توحيد القوات وراء هادي قبل الرد على عرض الحوثيين. ويرى السعوديون اتفاق الرياض كان “فرصة لأن يرى الحوثيون أن السعودية تفضل أن تكون صانعة للسلام في اليمن… بينما تحاول إيران تصعيد الوضع في المنطقة”. وأن الاتفاق الرسالة”مفادها أن وجود السعودية في اليمن ليس للسيطرة على الأرض أو الاستحواذ على الغاز والنفط وإنما لدعم الدولة ومؤسساتها ووحدتها واستهداف تنظيمي القاعدة وداعش (الدولة الإسلامية) وإنهاء التدخل الإيراني في اليمن”[6]. ما يشير إلى ذلك أن الاتفاق خلا من الإشارة إلى توحيد الجهود لمواجهة الحوثيين كما كان في المسودات السابقة وفي تصريحات المسؤولين اليمنيين.

ومن شأن تخفيف التوترات بين الحوثيين والسعودية و”اتفاق الرياض” أن يعزز جهود الأمم المتحدة لتمهيد الطريق أمام محادثات سياسية تفضي إلى نهاية للحرب التي أودت بحياة عشرات الآلاف ودفعت الملايين إلى حافة المجاعة. لكن الوصول إلى ذلك سيعني تجاهل اتفاق الحديدة وهو ما تشترط الحكومة الشرعية تنفيذه قبل الوصول إلى حلّ شامل للحرب.

ويبدو أن الضغوطات على الحكومة الشرعية من قِبل السعودية لتوقيع اتفاق الرياض سيدفع بنفس الاتجاه في حال تم التوصل إلى تفاهم مع الحوثيين. ويعتقد السعوديون والإيرانيون[7] إن حلّ الأزمة المتصاعدة في الأقليم يبدأ من خلال التوصل إلى اتفاق سياسي في اليمن. وجرت وساطات بين السعودية وإيران من أجل نزع فتيل التوتر عنوانه “حل سياسي” في اليمن.[8]

5) انسحاب الإمارات: قلصت الإمارات بالفعل وجودها العسكري في اليمن في يونيو/ حزيران مع تزايد ضغوط الغرب لإنهاء الصراع الذي دفع الملايين إلى شفا الموت جوعا. لكن أبوظبي تحتفظ بنفوذها بين عشرات الآلاف من أفراد التشكيلات العسكرية التي سلحتها ودربتها طوال أربع سنوات. وحسب مصادر فقد تقلص الدعم المالي تدريجياً خلال الشهرين السابقين لتوقيع الاتفاق بضغوط السعودية. وطلبت حكومة هادي من الإمارات التوقف عن دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، واتهمتها بالوقوف وراء ضُعف الحكومة الشرعية و”التمردات” عليها.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الجاري قالت الإمارات إنها انسحبت من عدن ومن غير المتوقع أن تترك الإمارات نفوذها وراءها وتغادر جنوب البلاد دون الاحتفاظ بوجود دائم كما كانت تخطط وتبدو عدة مناطق مناسبة للإمارات كما ترى “ذوباب محافظة تعز”، “بلحاف، محافظة شبوة”، “المكلا محافظة حضرموت” “غرب سقطرى”. وتملك أبوظبي قواعد عسكرية في تلك المناطق تم بنائها لتكون قواعد عسكرية دائمة. ويبدو ذلك واضحاً حيث تحاول الإمارات تثبيت وجودها وليس الانسحاب من جزيرة سقطرى على بحر العرب، وتدفع بمظاهرات لصالحها وسط رفض من السلطة المحلية. على عكس ذلك يقول المسؤولون في الحكومة إنه جرى الاتفاق مع الإمارات على الانسحاب في موعد أقصاه 25 يناير/كانون الثاني 2020م.

عوائق تنفيذ الاتفاق

في معظم اتفاقات اليمنيين التي تتم تحت ضغط خارجي أو بتوافقات وحلول وسط فإن العديد من العوائق والعثرات تقف في طريق تنفيذها.

فالاتفاق الذي منح المجلس الانتقالي الجنوبي الشرعية للمرة الأولى بحضور الرئيس اليمني وولي العهد السعودي وولي عهد ابوظبي وضع القوات الموالية له تحت “إمرة” وزارتي الدفاع والداخلية اليمنيتين. كما قلّص المجلس الانتقالي الجنوبي طموحاته من “مطالب الانفصال” إلى الحصول على مقعد ضمن مشاورات الحل الشامل، مع احتفاظه -كما يقول قادة المجلس- بأهدافه الانفصالية معترفاً ب”الرئيس اليمني” كرئيس شرعي للبلاد.

ومن أبرز العوائق:

فقدان الثقة: وإذ يبدو الاتفاق جيد -مرحلياً- للطرفين فإن مخاوف “انعدام الثقة” بين الطرفين وسوء تفسير الاتفاق قد يدفعان إلى تفجير الوضع مجدداً خاصة أن المشاورات كانت بشكل غير مباشر. ويبدو أن لقاء الرئيس اليمني في اليوم الثالث للتوقيع (7 نوفمبر/تشرين الثاني2019) دون نشر صور اللقاء رغم نشره رسمياً في وكالة (سبأ) واحد من أهم مؤشرات فقدان الثقة، فالحديث عن اختلاط القوات “التابعة للحكومة” و”الانتقالي الجنوبي” دون دمج وتفكيك للهياكل السابقة يجعل منها كتل صلبة جاهزة للتمرد في اي وقت.

الاستبعاد: كما أن استبعاد قادة مدنيين وعسكريين -نفذوا أوامر الرئيس ووزارتي الدفاع والداخلية في حماية العاصمة المؤقتة عدن بالسلاح – من التعيينات في الحكومة، انتكاسة للدولة وقد تسبب فقدان ثقة في القيادة وتشجع على التمرد ودعم المتمردين وتهدد مستقبل كل من يجرؤ على دعم الدولة .

وكما يعني تخليّ الرئيس اليمني عن أبرز الداعمين العسكريين له، يعني تخلي الانتقالي عن أهم قادته ما قد يؤدي إلى التنازع حول تسليم الأسلحة والمعدات الثقيلة والمتوسطة، وقد يمهد لنشوء تشكيلات مسلحة جديدة بعيدة عن الحكومة والانتقالي.

لا يعرف درجة التسلسل القيادي من الطرفين الذين سيتم إزاحتهم من الوصول إلى مناصب كوزراء في الحكومة. كما أن الاتفاق تجاهل “الجمعية الوطنية التابعة للانتقالي”.

رغم أن “اتفاق الرياض” سيخفف إلى حد كبير من أي تمرد، إلا أن استبعاد “حراس الجمهورية” و”ألوية العمالقة” من الحل قد يؤدي إلى تمرد الطرفين للحصول على مكاسب مماثلة للانتقالي الجنوبي.

لم يُشر الاتفاق إلى محافظتي أرخبيل سقطرى والمهرة، وأعلن ممثلون قبليون عن رفضهم لهذا الاتفاق مثل “مؤتمر الإنقاذ الجنوبي”، وشيخ مشايخ سقطرى[9].

خلافات التفسير: يسيطر على الاتفاق تشكيل التكوينات مثل حماية المنشآت من أعضاء القوات السابقين أو الموالين للحكومة أو الموالين للانتقالي الجنوبي، خلال مدة ثلاثين يوماً. وقد يفجر ذلك خلافات حول العدد ودرجة التكوين إذا لم يتم حسمها سابقاً. في نفس الوقت ستثير خلافات بشأن معنى “إعادة التنظيم” للقوات وبين بقاء القوات الحالية بنفس القيادات للألوية أو تغييرهم أو دمج القوات بشكل كامل.

تفكير الحوثيين: سيراقب الحوثيون باستمرار خلال الأسابيع القادمة مدى تماسك الاتفاق بين الطرفين وسيحاولون زعزعته للحصول على مكاسب لاحقة.

المسؤولية السعودية: سيقع معظم العبء في تنفيذ الاتفاق على المملكة العربية السعودية، كما أنها ستكون الحَكم الفصل في تفسير الاتفاق، وكما هو واضح فقد وضعت الحكومة اليمنية كل البيض في سلة الرياض. وهو أمرٌ بدأت السعودية بتنفيذه على الأرض من خلال إرسال قوات عسكرية وآليات، وخروج الإمارات بالتدريج من عدن. كما أن مخالفة “الانتقالي الجنوبي” للرؤية السعودية ستجعله في مواجهة مباشرة معها والأمر نفسه بالنسبة للإمارات التي رفضت طلباً حكومياً بوقف تسليح “الانفصاليين” بعد اتفاق الرياض[10]. وتحتاج السعودية إلى هذه الفرصة من أجل تخفيف الضغوط الدولية على المملكة من قبل حلفاءها الغربيين. كما أنها بحاجة لهذه الفرصة لإحراز تقدم في مشاوراتها مع الحوثيين يصب لصالحها.

سيناريوهات النجاح أو الفشل :

يرتبط نجاح أو فشل الاتفاق بتجاوز العوائق أعلاه، وفي حال نجح تنفيذ الاتفاق خلال فترة 90 يوماً أي بحلول فبراير/شباط2020 -المدة المقررة لتنفيذ أخر الفقرات فيه- فإن موقف الحكومة اليمنية تجاه الحوثيين سيكون أكثر قوة، كما أن المجلس الانتقالي سيكون ضمن وفد الحكومة للمشاورات الذي سيضم ممثلين من تيارات جنوبية أخرى إلى جانب الأحزاب، مقابل وفد الحوثيين الذي سيضم ممثلين عن حزب المؤتمر الشعبي العام -الموجود في صنعاء-.

لكن من سلبيات نجاح الاتفاق أن يكرس الوضع اللبناني في اليمن، وقد يحتفظ الانتقالي ومن بعده الحوثيين بتنظيماتهم المسلحة كدولة داخل الدولة كما الحال مع حزب الله .

أما إذا فشل الاتفاق فإن حرباً مناطقية تنتظر المحافظات الجنوبية وقد تتحول إلى صراعات جهوية، فالمجلس الانتقالي الجنوبي فشل في إيجاد حضور له في شبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى وأبين، وتعرضت قواته لانتكاسة هناك؛ كما أن الاتفاق في إطاره الجغرافي يُخرج القوات الحكومية في مناطق مأرب وتعز والجوف من الدخول تحته، وتملك القوات الحكومية قوة عسكرية كبيرة في تلك المحافظات، فإذا ما سُحبت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من الانتقالي ولم تتخلى السعودية عن الحكومة اليمنية، واستمرت في تقييد وصول الأسلحة الإماراتية إلى التشكيلات الموالية للانتقالي. فإن الحكومة قادرة على حسم أي تمرد متوقع، والعكس تماما في حال تقييد الحكومة وقواتها ودعم قوات الانتقالي لوجستيا وعسكريا فإن الانتقالي سيوسع من قبضته المسلحة على المحافظات الشرقية التي هي حاليا خارج سيطرته ويفرض الانفصال على الأرض كواقع بالقوة، وهو ما يعني العودة إلى نقطة الصفر بشأن ملف السلام مع الحوثيين المدعومين من إيران، التي تأمل السعودية انجازه.

ختاما..

ومع إيقاف الحرب وانهيار حلم الانفصال على الأقل في هذا الظرف الصعب الذي تمر به اليمن، قد يكون اليمنيون ربحوا السلام مؤقتا لكنهم خسروا سيادة الدولة على الأقل خلال السنوات القليلة القادمة، فالاتفاق بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي ياخذ من حق الدولة في استخدام القوة ويعطي الاشراف على استخدامها وتنظيمها وتشكيلها لدولة أخرى هي السعودية التي تشرف على تنفيذ الاتفاق، وهو ما تأمل أن يتكرر منه نسخة أخرى مع الحوثيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى