دائرة الاضطرابات النفسية في اليمن تتوسع مع اقتراب الحرب من عامها السابع

اليمن نت- تقرير خاص

قبل ستة أشهر، فقدت سميرة (وهو اسم مستعار) حسب طلب أهلها، قدرتها على التحكم بنفسها، وأصبحت أكثر عصبية، وحادة الطباع، وتنفعل لأبسط الأسباب وتصرخ حتى في وجه أبنائها الصغار، وحين تفاقم وضعها أكثر بدأ أهلها يشعرون بالقلق عليها، خاصة مع رغبتها بالخروج من المنزل وتحطيم بعض ما تراه أمامها، واضطرارهم إلى حبسها في إحدى الغرف.

تقول خالتها أم عمار ردمان “لليمن نت”، إنها كانت تلاحظ على سميرة بعض السلوكيات الغريبة، وانطوائها خلال العام الماضي، وشرودها كثيرا، لكنها لم تكن لا هي ولا باقي الأسرة يتوقعون أنها قد وصلت إلى هذا الحد من التدهور النفسي.

وسميرة ليست وحدها التي وصل بها الحال إلى هذه الدرجة، فهناك آلاف اليمنيين الذين أصبحوا يعانوا من أمراض نفسية مختلفة، تزداد يوما بعد آخر، نتيجة لاستمرار الحرب، والظروف الصعبة التي فرضتها.

تذكر أم عمار أن سميرة عانت من ظروف صعبة، فقد توفيت والدتها خلال فترة الحرب، كما قتل أحد إخوتها في الحدود السعودية كونه كان مجندا معهم سعيا لتحسين وضعه المادي بعض الشيء، إضافة إلى انقطاع راتب زوجها الذي يعمل كمعلم كونه يعيش في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي.

وبعد أسابيع من تفاقم وضع سميرة، تمكنت أم عمار -بعد محاولات حثيثة قام بها بعض الأقارب- من إقناعها بالذهاب إلى طبيب نفسي قبل أن يسوء وضعها أكثر، وذهبت وبدأت بتعاطي بعض الأدوية التي ساعدت قليلا في تهدئتها.

حياة قاسية ونتيجة وخيمة

ازدادت بشكل لافت أعداد المصابين بالأمراض النفسية خلال فترة الحرب، ويرجع أسباب ذلك الأخصائي النفسي مصطفى رزاز إلى القلق والخوف والصدمات والصعوبات المختلفة التي تخلفها الحرب، بخاصة مع كثرة حوادث القتل.

يوضح لـ”اليمن نت” أن الكثيرين أصبحوا يعانوا من أمراض واضطرابات نفسية مختلفة بدرجات متفاوتة، بسبب انقطاع رواتبهم والغلاء المعيشي، وصدمات فقدانهم لأهلهم، وحتى وجودهم في مناطق مواجهات تتعرض للقصف بشكل مستمر، إضافة إلى الوضع الضبابي الحاصل مع استمرار الحرب، الأمر الذي يغرقهم باليأس والقلق، وينعكس ذلك حتى على صحتهم الجسدية.

ولفت إلى خوف العديدين من الذهاب للمختصين للحصول على نصائح أو حتى أدوية لمساعدتهم على التخلص من الضغط النفسي الذي أفقدهم القدرة على التوازن والنظر للحياة بإيجابية، فضلا عن خوف آخرين من إدمان استخدام أي دواء، لكنه أكد لجوء بعض المواطنين إلى شراء أدوية تساعدهم على الاسترخاء والنوم والتخلص من التوتر من الصيدليات ودون وصفة طبية، برغم خطورة ذلك وآثاره المستقبلية.

وليتمكن المريض من تجاوز المرحلة التي يمر بها، يحث رزاز على ضرورة متابعة الطبيب المختص حتى تستقر الحالة، والتوجه له في وقت مبكر، وكذلك مساعدة الشخص لنفسه وكذلك دعمه من محيطه، كون ذلك هو العامل الأساسي للنجاة من تفاقم الحالة النفسية للمريض، بخاصة أن الحرب ما تزال مستمرة.

ونصح رزاز المواطنين، بمحاولة الابتعاد عن مصادر التوتر والضغط النفسي قدر الإمكان، والنوم جيدا وتنظيمه، وممارسة الرياضة لتفريغ الطاقة السلبية التي يشعرون بها، والحصول على وقت للراحة قدر الإمكان، والاقتراب من الأسرة أكثر للحديث معهم عن ما يعانيه الشخص.

الأرقام تكشف عن الواقع

لا يوجد حتى الآن إحصائيات دقيقة تكشف حجم المعاناة في الجانب النفسي التي يواجهها اليمنيون وتحديدا من الأطفال والنساء الذين تزايد العنف ضدهم بسبب ما يجري.

لكن صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن أعلن مؤخرا أن واحدا من كل 5 يمنيين، يعانون من اضطرابات نفسية، مرجحا ارتفاع العدد مع جائحة كورونا.

وتفتقر اليمن للأطباء المتخصصين بالجانب النفسي، برغم الحاجة لهم، ويقدر عددهم بخمسين طبيبا فقط، ويعمل إلى جانبهم مراكز تقدم الدعم النفسي عبر أطباء مرشدين وبشكل مباشر أو عن طريق الهاتف.

وفي دراسة لمنظمة الصحة العالمية، قالت إن الاكتئاب والقلق يزدادان مع تقدم العمر في أوضاع الصراع، مؤكدة أن الاكتئاب أكثر شيوعا بين النساء مقارنة بالرجال في الدول تشهد صراعات.

وبسبب عدم ذهاب بعض اليمنيين إلى الأطباء النفسيين لاعتبار ذلك أمرا صعبا وقد يتعرضون للوصم من المجتمع، فضلا عن اختيار آخرين العلاج لكن لدى المشعوذين، على أساس ما يحدث معهم سببه الأرواح الشريرة، فمن المتوقع أن تكون الأعداد أكبر من تلك الأرقام بكثير.

ومن المتوقع استمرار تزايد أعداد المصابين بالأمراض النفسية من مختلف الفئات العمرية، مع اقتراب دخول الحرب في اليمن عامها السابع، وتعرض أطفال جدد للتجنيد ومعاناتهم النفسية التي ستنجم عن ذلك، والأمر ذاته بالنسبة للمدنيين الذين يتعرضون للاختطاف أو الاعتقال وغيره.

وأدت الاضطرابات النفسية إلى حدوث حالات انتحار عديدة، وإدمان بعض الشباب لبعض أنواع المخدرات المختلفة التي أصبحت تتوفر بسهولة، فضلا عن تنامي الجرائم الجنائية المختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى