خطر اتفاق الرياض على الجيش الوطني!

محمد اللطيفي

    يوما بعد يوم تتضح المؤامرة الإقليمية على الجيش اليمني، وهي مؤامرة لم تبدأ فقط من قبل اندلاع الحرب في مارس 2015، بل من قبل انقلاب سبتمبر 2014، ولم يكن (الانقلاب والحرب) سوى تحصيل حاصل للتفكيك الذي استهدف الجيش الوطني، سواء باسم “الهيكلة” التي تمت إبان حكومة التوافق الوطني التي تشكلت كنتيجة للمبادرة الخليجية (السعودية)، أو تحت لافتة “الدعم” للجيش الوطني، الذي تم باسم استعادة الشرعية، وكلا الأمرين؛ الهيكلة والدعم، لم يكونا سوى غطاء لمنع قيام جيش يمني قوي يحمل الهوية الوطنية الخالصة.

 في عهد “الهيكلة”، كان المستهدف الألوية التي أعلنت انضمامها لثورة فبراير 2011، وقد أكدت ذلك وقائع الانقلاب الحوثي-الصالحي، حيث بقت ألوية الحرس الجمهوري كماهي، وذهبت بعتادها العسكري ليد مليشيا الحوثي، وأسقطت بتلك الألوية غالب مدن اليمن، لكن قصة “دعم الجيش” التي تمت خلال السنوات الأربع والنصف الماضية والتالية لعاصفة الحزم، لم تكن سوى خطة ممنهجة لخداع الحكومة الشرعية، وإلهائها بأكذوبة دعم التحالف لقيام جيش وطني قوي ومستقل.

 مضت السعودية والإمارات بخطتين متوازيتين، تكفلت الإمارات بخطة التقويض المباشر لفكرة جيش مستقبلي مستقل، عبر إنشاء مليشيات مضادة للشرعية وألويتها العسكرية، وأنشأت بالفعل أحزمة أمنية ونخبا عسكرية في عدن وعواصم المحافظات الجنوبية؛ المحررة وغير المحررة من مليشيا الحوثي، فضلا عن ألوية عسكرية في الساحل الغربي حملت اسم العمالقة، وقوات طارق صالح، فضلا عن كتائب أبوالعباس المزروعة عمدا في اللواء 35 التابع لمحور تعز.

بالمقابل رعت السعودية خطة “احتواء الجيش”، قامت بدعم الألوية العسكرية الموالية للشرعية بعتاد عسكري محدود، في مناطق جغرافية معينة، وهي أغلبها مناطق نفطية، واحتكرت قرارها المالي وتحكمت بقيادتها العسكرية ورواتب جنودها، ومنعتها من تجاوزت خطة التحرير المرسومة بعناية من قبل التحالف.

بعد خمس سنوات، كان الناتج سقوط عدن، بيد المليشيا الانتقالية بعد انقلاب نفذته الإمارات في أغسطس الماضي، برعاية سعودية، وكانت الدراما الحاصلة هو حدوث صراع بين مليشيات أنشأتها الإمارات وجيش تدعمه السعودية، لتتدخل الأخيرة بمكر، لنسج اتفاق؛ عرف باتفاق الرياض، بهدف الوساطة تحت الشعار ذاته؛ مواجهة المليشيا الحوثية والمد الإيراني، وينص الاتفاق على دمج المليشيات المدعومة بالعتاد العسكري الهائل بالجيش المحدود الدعم، بمعنى آخر، عودة لخطة “الهيكلة” التي تمت في عهد حكومة التوافق، سيتم فيها إفراع الجيش من العناصر الوطنية والموالية للهوية اليمنية، والحاملة للمشروع اليمني، وتعيين القادة العسكريين الانتهازيين، والذين سيقبلون بأن يكونوا مطية للأجندة السعودية الإماراتية.

 الندوة الأخيرة التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض، وأقيمت في جامعة الملك سعود، تعبر بشكل أوضح عن موقف المملكة من الجيش، حيث تحدث العميد السعودي حسن الشهري، عن ضرورة حل الجيش الوطني الحالي بكامله؛ هكذا بكامله مرة واحدة، الجيش الذي دعمته السعودية. ما المبرر؟ طبعا، ذات المبرر، مليشيا الحوثي، فالجيش التابع للحكومة اليمنية المناهضة للحوثي، أصبح بنظر العميد السعودي مواليا للحوثي، وبنغمة مكررة ومملة، جيشا مواليا لحزب الإصلاح.

 حديث العميد الشهري، يفضح النوايا السعودية، فنحن أمام عميد في الجيش السعودي، ينادي بحل الجيش اليمني، مع أن بلده تكرر في بياناتها أنها مع الشرعية اليمنية ووحدة اليمن واستقراره، الشهري هنا يقرر تعريفا جديدا للجيش اليمني؛ هو الجيش الذي ترضى عنه السعودية، هو الأحزمة والنخب والعمالقة وقوات طارق وكتائب أبوالعباس، هذا هو الجيش الوطني، بالتعريف السعودي الخفي.

 بات واضحا الآن، لماذا تعمدت المملكة طوال كل هذه السنوات الماضية، من عمر النضال اليمني ضد مليشيا الحوثي، على احتكار القرارات المالية والعسكرية والسياسية للجيش بيدها؟ ولماذا منعت تحركات الجيش باتجاه تحرير المناطق التي تقع تحت سيطرة الحوثي في صنعاء وتعز؟ ولماذا ضربت بالطيران أكثر من مرة وحدات للجيش حاولت التقدم خارج خطة التحالف؟ ولماذا صمتت إزاء قصف الطيران الإماراتي على الجيش الذي حاول استعادة عدن، من مليشيا الإمارات؟.. لكن يمكننا الآن أن نتأكد أن حديث الشهري، ما هو إلا تعبير واضح عن التفسير السعودي الحقيقي لاتفاق الرياض، الموقع في الخامس من نوفمبر الجاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى